الثورات بركان يكنس بطبقة لافا بدرجة حرارة بالآلاف؛ فيغير معالم مساحة جيولوجية ولكن معها كل الخصوبة. الثورة تعني موت الكثير. الثورة تعني الدم والمقصلة وقطع الرؤوس، وفقدان الأرزاق، وأموال اقترفتموها، وتجارة تخشون كسادها، ومساكن ترضونها.
الثورة لا تحدث من فراغ بل من وعي. الثورة تنفجر حين تنضج الشروط، ويكثر الظلم بقدر كثافة غابات الأمازون، وعمق المحيط، وارتفاع قمة ايفرست.
مع هذا الشعوب تبلع الظلم مع كل دورة يوم وليلة، وتصبر على الفقر والحرمان تراه قدرا إلهيا مثل بزوغ الشمس ودورة القمر؛ حتى يحررها حدث صغير مثل شق بسيط في حائط سد هائل فإذا انهمر الماء تدفق طوفان نوح.
لماذا يضرب القرآن المثل بسد مأرب. فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذوات أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل؟؟ لماذا ؟؟ ذلك جزيناهم بما كفروا وهل لنجزي إلا الكفور. ما هو يا ترى ذلك الكفر الذي مارسوه غير ما رسخه طغيان آل الأسد في بلاد الشام؟ هل أتاك حديث الجنود والشبيحة؟؟
الثورات أعمق من تحليل السياسيين الكذابين، وتعليقات المثقفين المفيقهين المدجنين المدخنين؟ وفوقها طبقة فقهاء العصر العباسي من وعاظ السلاطين في استراحة المماليك البرجية أيام سعيد جقمق، تغذيها ترهات الصحافة المرتزقة.
إنها سنة من سنن التاريخ فويل للقاسية قولبهم نذكر التاريخ.
العدل أرخص من الظلم. وفي القرآن حديث مطول في أكثر من 35 موضعا عن فرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد.
وهناك قصة جدا مؤثرة عن قوم أحرقوا بالنار من أجل أفكارهم، خلدها القرآن في سورة أخذت اسم البروج، لتختم السورة بهذه الكلمات: هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود؟
هذه القصة المكررة في التاريخ تجعلنا نتذكر كلمات غاندي في أحد حملات الصوم في مواجهة العنف وهو يكرر إيمانه العميق بالحق الذي يحكم الكون، وأن ألوانا من الطغيان تمر ثم تنجلي ليزداد الذين أمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب.
وهذه القصة تتكرر في سوريا ونحن نرى فظائع براميل الموت تفجر الناس والحجارة وتدفن الأطفال، وبشار الكيماوي يظن أن القوة والقتل هما سيد الحلول. مذكرا بقصة برتراند راسل وحماره.
فقد شبت النار يوما في زريبة تخص بيت الفيلسوف البريطاني (برتراند راسل) فهرع الخدم يخبرون أن الحمار يأبى الخروج فماذا نفعل لقد قارب الحمار أن يحترق.
السيء في الحريق أن الزريبة كانت تضم حمارا عنيدا مع بقية الحيوانات المسالمين الذين هربوا من الحريقة غير مبطئين ومترددين فقد اتبعوا آليات الغريزة ولكن الحمار أبى؟
يقول الفيلسوف كان أفظع ما يمكن تصوره صعوبة سحب الحمار من نيران قاربت أن تلتهمه. كان الحمار يرفض أن يخرج، فلم يكن أمام الخدم إلا اقتياده بالقوة والحبال الغليظة من حجرة النيران إلى فضاء النجاة والحرية.
هنا العناد عند الحمار مفهوم لأنه لا يعقل، ولكن ما يصعب فهمه على البشر هو عنادهم أمام نائبات الأمور فلا تتغير مواقفهم، كما في بشار الكيماوي الذي يذكر بقصة أشعب؛ فقد حاصره الأطفال يوما فأزعجوه فتتفق ذهنه عن فكرة رائعة لصرفهم فقال: يا أطفال لقد سمعت أن بالحارة الفلانية مأدبة ووليمة، وهي ترحب بالأطفال فتعطيهم السكاكر والحلوى؟ هز الأطفال رؤوسهم بالاستحسان ثم مضوا قد أطلقوا سيقانهم للريح.
بعد قليل جاء فوج جديد من الأطفال المشاغبين. فعل أشعب بهم ما فعل بالأولين فصرفهم. ثم التفت إلى نفسه فقال يا أشعب وما يدريك فلعلها فعلا وليمة هناك، ثم ما لبث أن تبعهم وقد صدق ما كذب به على الأطفال.
وبشار الكيماوي فعل نفس الشيء فقد اخترع كذبة الإرهابيين وفعلا فقد جاء الإرهابيون، فهو مبلس حيران ماذا يفعل؟
قصة الحمار وقصة أشعب تروي آليات نفسية لمعالجة الأمور المستعصية التي تواجه الإنسان كي يهتدي إلى الحل؟
هناك طريقان للحل الأول هو المواجهة السليمة، وفهم ما يحدث فعلا، والاعتراف به فهو سيد الفضائل، أو العناد وركب الرأس على طريقة حمار الزريبة، ثم التصرف بعيدا عن العناد والكذب والوهم.
وبشار الكيماوي أقنع نفسه وأقنعه من حوله أنه منزه عن الخطأ والخطيئة، ويصلح أن يحكم الإنسانية. هكذا قاله له كذاب أشر في ناديهم عفوا مجلس القرود المسمى مجلس الشعب. نفس ما كرّره فرعون من قبل فقال ما علمت لكم من إله غيري.
يقولون عن (بن علي) التونسي أنه كان أفضل من تصرف فهرب بأطنان الذهب مع عروسته الطرابلسية ووفر دماء التوانسة. وهناك من يقول لقد أنذره الجيش أن يغادر. النتيجة واحدة هي أن التوانسة قاموا بتجربتهم ونجحوا حتى حين.
أذكر جيدا من مجلة در شبيجل الألمانية حين استعرضت ما يحدث في العالم العربي؛ فقالت أن القذافي الليبي المهرج الدموي، والكيماوي السوري من فصيلة السنوريات، اشتقاقهم من فصيلة واحدة، وأتباعهم من قطيع متشابه متجانس، وستكون النتيجة دموية جدا. وهذا ما كان.
أذكر جيدا (تركي الدخيل) وهو يسألني في برنامجه إضاءات: أنت من ينادي بالسلام والتغيير السلمي كيف ترى مجريات الأمور؟ كان جوابي إنه مخاض عسير، ولكنني أرى أن التغيير السلمي هو الحل، لأن طريقة الحمار في مواجهة الحريق في الزريبة، ستنتهي بحريق الزريبة والحمار معا، كما جاء في قصة حمار الفيلسوف برتراند راسل. وهذا ما سينتهي إليه مصير بشار الكيماوي. فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين.