كانت السيارة العسكرية التي اختطفتني تطوي المسافة سريعاً بين مدينة خان يونس ومدينة غزة حيث السجن المركزي، وكان عقلي يطوي المسافات بين جوابي المقنع وسؤال رجل المخابرات القاطع، فبماذا أجيب رجل التحقيق؟ وما النتيجة التي ستترتب على كل جواب؟
لقد قررت من اللحظة الأولى أنني لا أعرف شيئاً، ولا علاقة لي بأحد، وأنني أتحدث في السياسة، وأحرض طلابي على المقاومة، ولكنني لا أقاوم. ومع ذلك، تمنيت في تلك اللحظة أن تصطدم السيارة العسكرية بلغم أرضي يفجرها، وتتفجر وأنا فيها، حتى لا أصل إلى سجن غزة المركزي، فما أقسى تلك اللحظة التي يقع فيها الإنسان أسيراً، يغمض عينه على المجهول ويفتحها على القيود، والتوتر، والخوف، والحيرة، والفشل، والظن السيء بالآخرين حتى الشك.
مع الفجر وصلت إلى غرف التحقيق، استقبلني ضابط إسرائيلي صارم الملامح، طلب مني على الفور نزع ملابسي، وأرتداء لباس التحقيق الذي يشبه لباس عمال النظافة، إنه قطعة واحدة من القماس بمقاس صغير، وأنا رجل طويل، فكان يتوجب علي أن أحشر أكتافي في هذا الثوب بصعوبة بعد أن حشرت ساقي، ليضع السجان بعد ذلك القيود في معصمي من خلف ظهري، ويغطي رأسي بكيس من القماش المقوى، ويقودني إلى الطابق الثاني، حيث ينتظرني رجل التحقيق المناوب، الذي اكتفى بالتعرف علي، فسأل عن اسمي، وعملي، وعمري، ثم طلب مني الاعتراف له بكل شيء، وإلا فإن طاقم التحقيق ينتظرك في الصباح .
وجاء الصباح، وجاء رجل التحقيق المكلف بملفي، كان ضخم الجثة، قوي العضلات، غبي القسمات، ولا يتقن إلا فن الصفع على الأذن، واللكم في البطن، والصراخ، والركوب على صدري، وممارسة العنف بتلذذ وغطرسة واستفزاز، وكان يسمي نفسه "أبو عنتر".
كنت عنيداً جداً في ذلك الوقت، وكان من طبعي التحدي، واعترف اليوم أن استخدام العنف المباشر ضدي في التحقيق من اليوم الأول كان سبباً في تعزيز قراري بعدم الاعتراف، لقد أدركت أن في الانكار انتقام من هذا المحقق الغبي، وأيقنت أن الرد سيكون في حبس المعلومة، والاحتفاظ بسري في صدري حتى ولو قطعوا من لحمي.