تمثيلية الحياة

نشر 04 مايو 2014 | 09:47

 

الحياة تمثيلية ونحن الممثلون نتبادل الأدوار فيها، وفي داخل كل واحد منا تشع حقيقة واحدة متساوية، ومعنى هذا أن علينا أن نحسن أداء أدوارنا أياً كان الدور؛ فنجاح المسرحية يقوم على تحقيق الأدوار جميعها وبوجه صحيح، ويتعجب الممثلون ويضحكون عندما يتبادلون الأدوار والملابس التنكرية، بين شحاذ وملك، بين جندي وقائد، بين ميت وحي، ذلك أن الجميع في النهاية سيرجعون إلى حقيقة واحدة مشتركة متساوية، وهذا يخلع ظلاً ثقيلاً على فهم الحياة ومظاهرها وآليات عملها، وعندما نمرّ بجانب عامل النظافة يجمع القمامات، يجب أن نتذكر أنموذج الفيلسوف (إبكتيتوس)، الذي كان بالأصل عبداً ثم أعتق، وأن الحظ دفع عامل النظافة لا أكثر ولا أقل إلى قاع المجتمع، فهو يلوث يديه بجمع القذارات والمخلفات. وربما لو صدفه الحظ لكانت يداه من أنظف الأيادي مثل الجراح الذي لا يكف عن غسل وتطهير يديه في العمل.

 

ويتولد من هذا المعنى موقف فلسفي عميق ومهم وعملي؛ فطالما كان لكل فرد دور مهم قد يبدو في نظر بعضهم تافهاً ولا يعتد به، فهو لا يقل في الأهمية عن العمل الآخر، لأن العمل الاجتماعي لا ينجز دون تضافر مجموع الأعمال؛ بين قائد ومقود، وأمير وأجير؛ فالعمل الاجتماعي هو سلسلة من اتصال حلقات العمل، وأي كسر أو خلل في اتصال حلقات الوصل الاجتماعي تقود إلى انهيار العمل وتوقفه، حتى لو كان عامل نقل أوراق معاملة وساعي بريد، وهكذا تبدو المسرحية سخيفة حينما تنهار إحدى القطع الفنية فيها، فلا يكفي ظهور البطل أو النجم الأساسي فيها، بل لابد من مجموع العناصر، وبقدر غنى العناصر الهامشية فيها بقدر زخم المسرحية وقوتها، ولكن مسرحية الحياة هذه لا يبدو فيها جميع الناس وقد أدركوا عمق هذه الحقيقة، ولذلك لا يظهرون على أنهم ناجحون في أداء أدوارهم، كما أن الشريحة الكبيرة منهم علاها الإرهاق، وركبتها السآمة، وظللها الرتابة والروتين، وعدم الحماس لهذه المسرحية الكونية، بل الميل أحياناً للانتحار بعد موجة كآبة أو التفكير به على الأقل؛ فالهدف مفقود، والقلق مسيطر، والخوف يعم، وكلٌ لا يعجبه دوره ويريد تغييره؛ وكل يريد أن يكون القائد والمدير، وإلا كيف نفهم عودة بوتفليقة للكرسي وهو مشلول، والكيماوي السوري يتهيأ للكرسي وهو كرسي إعدام. عامل القمامة يريد أن يصبح خبيراً إلكترونياً وعالماً ذرياً يتصدر المجالس، والضابط يريد القيام بانقلاب عسكري وتسلم السلطة، وبواب البناية يريد أن يكون مالك العقارات جميعها، وينسى الجميع في غمرة هذا الحماس للتغيير أن نفس العطش سيعود في صورة جديدة، حتى مع مزيد من المال، ورفع سقف الراتب، وامتلاك العقارات، واستحواذ الأراضي، فظل السآمة لا ينجلي، والاستحواذ على النفوذ والشهرة في تصاعد، ومعها كل القلق والتوتر وشد الأعصاب في جرعة حتى الثمالة.

 

يقولون إن رجلا قدم إلى قرية فأعجبه المناخ وجذبته خصوبة الأراضي، فأراد شراء أرض كبيرة. قال له أهل القرية إن شروط التملك عندنا مختلفة، فأنت تملك بقدر ما تركض حول الأرض وتطوقها بهرولتك. لم يصدق الرجل هذا الشرط المغري السهل!

تقول الرواية إن أهل القرية كانوا مع غروب شمس ذلك اليوم يصلون في جنازة الرجل لدفنه. لقد استمر صاحبنا في الركض حتى سقط مع انقطاع الأنفاس وفرط الركض وتتابع الهرولة وطول المسافات.