شاعت الفرحة أوساط الفلسطينيين في غزة عقب التوقيع على اتفاق المصالحة بين فتح وحماس، آملين أن يختلف الاتفاق عن سابقيه: القاهرة فبراير 2009, والدوحة فبراير 2012، ومما شاع من أجواء التفاؤل جملة مؤشرات ميدانية، تمثلت في إفراج حماس عن 10 معتقلين من فتح، متهمين بارتكاب مخالفات أمنية، لتعزيز جهود المصالحة.
ولعل مما سرع في المصالحة وصول الأوضاع المعيشية بغزة مرحلة غير مسبوقة من المعاناة، وعدم وجود ضوء في نهاية نفق العلاقة المتأزمة مع مصر، وحماس تأمل أن تكون المصالحة مع فتح بوابة لعودة العلاقات الجيدة مع القاهرة، أو على الأقل وقف حالة التوتر السائدة، فضلاً عن رغبة لا تخفيها من إنجاز المصالحة تتمثل بفك حالة العزلة الإقليمية والدولية التي تعانيها منذ إسقاط مرسي في مصر في يوليو 2013، والملاحقة الإقليمية للإخوان المسلمين، مما يسهم بفرص تعزيز شرعيتها في الساحة الدولية، وتسهيل فعالياتها الجماهيرية بالضفة الغربية، لأن المصالحة ستتزامن بالإفراج عن معتقليها في سجون السلطة.
ولعل سماح مصر بوصول د. موسى أبو مرزوق عضو المكتب السياسي لحماس لغزة، شكل مفاجأة من العيار الثقيل للحركة، لأن مشاركته في المصالحة أعطى دفعة كبيرة لإنهاء الانقسام فوراً، والعمل على تحديد موعد الانتخابات، وتشكيل الحكومة الموحدة.
في نفس الوقت، يبدو محمد دحلان خصم عباس وحماس معاً، الغائب الحاضر في ملف المصالحة، وكان مفاجئاً إعلان حماس أنها ألقت القبض على خلية عسكرية تابعة له أطلقت صواريخ على (إسرائيل)، للتخريب على جهود المصالحة، ودفع (إسرائيل) للتصعيد ضد غزة.
الحديث مع وفد منظمة التحرير القادم من الضفة، فرصة لسؤاله عن اختلاف هذه المصالحة عن سابقاتها، فقال أحدهم: أتينا من الضفة لضرورة التوصل لهذا الاتفاق، وإلا فإن البدائل ستكون كارثية على كل الفلسطينيين، بمن فيهم فتح وحماس، ملمحاً بذلك لاجتماع المجلس المركزي لمنظمة التحرير، الذي كان سيعلن فيه إجراء الانتخابات العامة في الضفة دون غزة، إن لم يتم إنجاز المصالحة مع حماس، ولهذا بادر أبو مازن لإرسال الوفد إلى غزة لتحقيق المصالحة لأنه ينوي إعادة ترتيب المؤسسات الدستورية, بما فيها الرئاسة والمجلسان التشريعي والوطني، وإنهاء عهده السياسي وقد اتفق الفلسطينيون، لأنه قد ينسحب من المشهد السياسي قبل نهاية العام الجاري، وقيادة حماس اقتنعت أنه في أزمة حقيقية مع (إسرائيل)، ولا تريد الظهور وهي تتخلى عنه في المواجهة المصيرية.
وفي حين كشفت كواليس مباحثات المصالحة في غزة عن ترتيب لزيارة يقوم بها عباس للدوحة، للقاء مشعل خلال الأيام القليلة المقبلة، لمناقشة ملفات عديدة، أبرزها ما تم التوصل إليه خلال لقاءات المصالحة، فقد حصل كاتب السطور على بعض كواليس اللقاءات المباشرة بين وفدي فتح وحماس في منزل هنية، وتزامنت مع إطْلاع مشعل وعباس أولاً بأول على سيرها، عبر خط تلفوني ساخن بين غزة والدوحة ورام الله، وتم أخذ موافقتهما بصورة تفصيلية قبيل خروج هنية والأحمد في مؤتمرهما الصحفي بعد ظهر الأربعاء.
ومن خلف الأروقة المغلقة في مباحثات المصالحة، اتضح لاحقاً أن وصول أبي مرزوق لغزة ساهم بإنجاحها، فللرجل تأثير ملموس على قيادة حماس، كونه ذا علاقات شخصية تاريخية مع معظم قيادتها، التي تنظر إليه على أنه نائب الشيخ أحمد ياسين مؤسس الحركة، ويمثل قيادة حماس في الخارج، ويتفق مع مشعل على ضرورة إنجاز المصالحة.
ومما ساهم بإنجاح المصالحة، الضغوط الشعبية التي مارسها المجتمع المدني على فتح وحماس، ومطالبته بتذليل العقبات التي تحول دون إجراء الانتخابات للمجلسين الوطني والتشريعي والرئاسة كأساس لتوحيد المؤسسات الوطنية، ولذلك جاءت السرعة في التوقيع على اتفاق المصالحة بعد ساعات فقط من بدء المباحثات، لأن معظم القضايا متفق عليها سابقاً، وليست بحاجة لمزيد من النقاشات، لا سيما تحديد مواعيد الانتخابات بكافة أشكالها بعد 6 أشهر من تشكيل الحكومة، أو تخويل الرئيس بالتشاور مع الفصائل لتحديدها، حيث ستكلف حكومة التوافق بقضايا الحريات العامة، المعتقلين السياسيين، عمل المجلس التشريعي، والمصالحة المجتمعية.
أخيراً .. وفي ظل تفاؤل الفلسطينيين بإمكانية نجاح المصالحة هذه المرة، لكنهم يرغبون بالانتقال من مرحلة التوقيع إلى التطبيق، حيث يكمن الشيطان في التفاصيل، وهنا يضعون أيديهم على قلوبهم خوفاً وقلقاً!