1- مدخل: السياسة ومراجعها.
لوددت أن الوقت يتسع للبحث المعمق وطول النظر والوقوف مع المراجع المتخصصة، ولكن زحمة المشاغل والواجبات والالتزامات في اتجاهات متعددة لا تبقي للواحد مثل هذا الترف-الضروري.
ومع هذا فقد نظرت في أرفف مكتبتي في جناح "السياسة" فوجدت آلاف الكتب في هذا التخصص.. فاخترت في عجالة بعضها ونظرت فيها، ولفتني عنوان كتاب لتركي الحمد: "السياسة بين الحلال والحرام"، نشرته دار الساقي، ولا يخفى علي توجهات الكاتب والكتاب، ولا يضيرني أن أرجع إليه وأستفيد منه فنحن نقرأ باسم الله، وننتفع من كل شيء. على أن في الكتاب نقداً للممارسات في بلده، والحق في كثير منها معه. فكم ارتكب باسم الإسلام من ممارسات لا يقبلها عاقل.. ولا نحمل دين الله وزر أفعالنا، معاذ الله، والخطأ يجب أن يعترف به.
يقول في كتابه في تقديمه بعد أن ذكر أحلاماً كثيرة له: "رحت أحلم ثم تذكرت أننا نعيش في عالم توأد فيه الأحلام كما كانت توأد البنات وعرفت لماذا نقول: "بنات الأفكار.."
وقال تحت عنوان: "الدولة والفضيلة: لا ضرر ولا ضرار"، قال في ص118 "أكثر جمهورياتنا في العالم العربي هي ممالك وفق مفاهيم مكيافيلي"
ثم تكلم عن أسلوب القسر وأنه قد يؤدي إلى "اضمحلال في الضمير الجمعي" واستشهد بانهيار الاتحاد السوفياتي، الذي قام على هذه النظرية.. أي القسر والإكراه!
ويقول تحت عنوان: "اللاعبون بالمصائر" ص259: "المجتمع ليس مجرد تجمع كمي ومكاني معين فقط، بل إنه كيان له روح تمثله وتعطيه شخصيته المميزة، رغم التعددية الكامنة فيه، هذه الروح وتلك الشخصية تكونتا عبر تراكمات متواترة عبر مراحل الزمان، من خلل التفاعل الدائم بين وحدات المجتمع، وبيئته على اختلاف مستوياتها.."
ثم ينبه إلى تكيف المجتمع مع المتغيرات وخطر التدخل التعسفي في آليات التكيف والتغيير..
ويقول في ختام الكتاب ص313: "إن التغيير قادم قادم بهذا الشكل أو ذاك، واللبيب من يدرك هذه الحقيقة، ويتعامل معها على هذا الأساس.. ولكن أكثر الناس لا يعلمون"
وفي الحلقات القادمة سأقبس من كتب مختلفة لتكون حافزاً لمن يريد أن يطلع على مزيد من الكتب، ولمن يريد أن يتوسع.
ولعلي أبدأ الحلقة التالية بكتاب لمحمد جابر الأنصاري: "العرب والسياسة أين الخلل؟ جذور العطل العميق" ونشرته دار الساقي أيضاً وطبعته الأولى سنة 1998م.
2- عود إلى أهمية نظام الحكم في السياسة.
ما زلنا نردد القول في أهمية السياسة، ونظام الحكم هو رأس النظام السياسي. ولقد بالغ الشيعة والمعتزلة حين عدوا مسألة الإمامة من أصول الدين. وفرّط مقابل إفراطهم من عدوا السياسة خارج الدين كعلي عبد الرازق. وقاتل الله الإفراط والتفريط ولمعرفة أهمية رأس نظام الحكم إليك بعض التصورات.
فتصور الأندلس لو كان يقود المسلمين فيها أمثال عبد الرحمن الداخل أو عبد الرحمن الناصر أو يوسف بن تاشفين أو طارق بن زياد أو ابن نصير، بدل أبي عبد الله الصغير، الذي سمي المنحوس واستسلم لمصيره اليائس أو الميؤوس.
وتصور لو لم يقف في وجه التتار بيبرس وقطز، ولو لم يقف في وجه الصليبيين أمثال نور الدين وصلاح الدين. كان التاريخ أخذ منحى ومنحنى آخر.
وتأمل حين دخل التتار على خليفة يشرب ويسمع المعازف وترقص أمامه الراقصات والتتار على أبواب بغداد، ووزيره ابن العلقمي متصل بالتتار عميل لهم. رأس البلاء من ها هنا يتأتى. وتصور لو أن "إسرائيل" قادها أمثال القادة العرب هل كانت تقوم لهم قائمة. أو لو أنها حكمت كل ستة شهور من ضابط خلع زميله وجلس على كرسي الرئاسة أو الحكم محله هل كانت هيمنت على العالم العربي، بل على العالم أجمع كما هو حاصل الآن؟ وكيف وصلت بأجبن شعب أن تقود العالم ووصلنا بأشجع شعب أن يدوسنا أراذل الخلق. إنها المفارقة في نمط القيادة في صعيدنا وصعيدهم وعندنا وعندهم. وفي بلد عربي موازنة الجيش خمسون ملياراً من الدولارات، وجيش "إسرائيل" موازنته الرقم نفسه ولكن الفرق في الفاعلية لا يقاس بالسنوات الضوئية بيننا وبينهم.. والمفارقة أن الفرد عندنا أفضل.
إن نمط القيادة السياسية يسري أثره في عروق المجتمع كالعافية إن كان سليماً أو كالسم إن كان عقيماً.
3- سياسة الاحتراب الداخلي أو تدمير الذات.
تأمل كيف تستنزف موارد البلدان العربية في حروب بينية، إما في البلد الواحد أو بين بلد وبلد. وكم هو يسير إشعال حريق كبير في البلد الواحد أو بين بلد وبلد. على صعيد البلد الواحد ما نجا من هذا المرض وهذه الآفة إلا قليل. فما من بلد إلا خاض هذه التجربة المرة، والتدمير الذاتي، لكن البعض خاضها أشرس من بعض.
فسوريا النظام الأسدي فاقت الجميع وفاقت كل التوقعات، والدعوى الجاهزة: المؤامرة الكونية وما المؤامرة إلا هم ووجودهم، وأي مؤامرة ألعن وأفتك مما فعلوه هم بهذا الشعب؟ ولماذا بمجيئهم توقفت الانقلابات؟ وهم من خاضوا حرب لبنان، فهزموا الفلسطينيين بعد مذابح في المخيمات، ثم عادوا كقسمة الثعلب قرص الجبنة بين الهرّين ظل يقضم من ها هنا وها هنا حتى أنهاه، وهذا نظام الأسد، فقد ضرب النصارى المارون، وضرب المقاومة، وضرب الجميع. حتى حزب الله نالهم منه من خلال شريكهم أمل ما نالهم قبل أن يصبحوا شركاء النظام وحلفاءه.
ومر بتجربة الاحتراب الداخلي لبنان قبل مجيء الأسد لتحزيبه.
ومر بها الجزائر من خلال العسكر وتخطيطهم لتدمير بلدهم أو الاستحواذ عليه فإما العسكر أو أن البلد سيدمر. تريدون الاستقرار. لا يضمنه إلا العسكر. والعسكر في طول العالم العربي وعرضه أس البلاء. وما حكم مبارك منكم ببعيد ولا العقيد الفقيد.. فهل من مزيد؟ ألا تعلمنا تجربة واحدة؟ ولماذا أمريكا في العالم العربي تحب التعامل مع العسكر؟ ولو كان فيهم الرجاء لوطنهم ما وثقت بهم، لكنها صنعتهم على عينها، وكما قال "تيم كين" (كوهين): "إن استثمار أمريكا في تدريب الضباط كان أجدى استثمار.." –الكلام بالمعنى من الذهن-. وصدق كوهين، فها هم يشكلون لها ضمانة العلمانية في كل البلدان العربية والإسلامية.
4- علمنة الأنظمة السياسية.
في طول العالم الإسلامي والعربي وعرضه، فإن العلمانية هي السائدة. معلنة أحياناً، ومستترة أحياناً. وفي كثير من الأحيان تتم اللعبة المزدوجة، بمعنى أمام سادتهم في الغرب بوجه، وأمام الشعوب وبعض بسطاء العلماء بوجه آخر، فهم يظهرون أنهم متدينون وأنهم يحترمون الإسلام. ولكن مسبار الواقع كشف الكثير من هذه الأقنعة والوجوه المزدوجة اللون. على أن قسماً آخر حسم أمره إن كان بقي البعض ينتفع من عدم الوضوح، ومن الغموض، فهو يرضي جميع الفرقاء.
أقول إن القسم الذي حسم أمره بعلمانية سافرة أول السابقين إلى هذا النهج مصطفى كمال، وكان إسفاره أو سفوره ليكون أسوة وليكون داعية، ولا يصح أن يكون داعية، مع الاستتار. وقد نجحت تجربته بمعنى أنه مثل دور المنقذ لبلده ولا زالت روحه تحكم تركيا واسمه مقدراً.. مع أنه رجع بتركيا قروناً إلى الوراء.. وسلخها من تاريخها وسياقها الحضاري وهويتها ورسالتها.. وألحقها تابعاً ذليلاً للغرب. وممن أسفر بعلمانيته البعث والجناح السوري منه بالذات، والنظام المصري الجديد. وقد بلغت الجرأة أو الوقاحة بكثيرين أن يقولوا إنه لا حل إلا بالعلمانية. وإن الإسلام هو الذي جرنا إلى الاقتتال الداخلي. وكذبوا والله تماماً.
ولموضوع العلمانية السياسية عود بإذن الله.