*توطئة:
كفرحة أرخميدس يوم نطق من تحت الماء: «وجدتها» فجرت كلمته مثلا لكل من يجهده البحث عن ضالته ثم يجد الطريق إليها كذا كانت فرحتي يوم وجدتها أنا، أو وجدت شيئا منها كما وجدها قراء كثر في روايات الدكتور أيمن العتوم.
فبعد أن كنا نسرح الفكر اضطرارا في ضلالات من يملك جمال التعبير اللغوي ولكن يفتقر الى جمالية الفكرة والمبدأ، وجدنا كاتبا نستطيع ان ندخل معه في غيبوبة الأمان الجميل لنتعلم ونتأمل ونتألم ونستمتع.
نوع من الأمان في روايات العتوم يجعلك تأخذها معك الى السرير فلا تقلق ان غافلك النوم ونسيت شيئا من وِردك، فالروايات تأخذك الى محراب ذكر يمتد ما بين الارض والسماء، تنام على طهر الكلمة ونبل الفكرة فتصحو بنفس طيبة.
أمان يجعلك تستنفر أولادك ومن يعنيك أمرهم ليقرؤوا دون أن تكون خائفا ولا متراقبا ولا متوجسا من كلمة اوعبارة او صورة تهدم ما بنيته من تربية فيهم خلال السنين.
أمان يجعلك تدخل في عقد تسليم مع الكاتب بنوده الظاهرة كالمخفية وما بين السطور للمتمعن أجمل مما يظهر للعين من القراءة الأولى.
في حديث الجنود الرواية الاخيرة للعتوم يتهم خال البطل الرئيسي، ورد شاهر، أصحاب التوجه الديني بأنهم لا يقرؤون، وهذه الفكرة المنتشرة عنهم ايضا وفي بعضها للأسف صحة! تسندها فكرة اخرى انهم يقتصرون على قراءة مناهجهم والتي مهما عظم فكرها تصب في مجرى واحد، وترى بعين واحدة ولا تفتح المدارك على الاخر والعوالم والثقافات الاخرى، ولو من باب العلم بالشيء، وفي ذلك بعض حقيقة أيضا!! ولكن هل يستطيع المرء ان يسبح في تيارات الفكر الهائجة التي ماجت وتلاعبت بالبشر وقذفتهم في دروب بعيدة عن الفطرة قبل ان يشتد عوده ويتقن السباحة في المياه الصديقة الهادئة الاليفة؟!
مما يقودنا للسؤال الاصعب والمواجهة الاشد: اين هو ذلك الادب الملتزم او الاسلامي الذي يروي عطش المثقف ويرتقي بذائقة المبدع ويسد حاجة القارئ الى التنوع؟! لقد قيل إن أعذب الشعر أكذبه فهل بالقياس أبدع الأدب ما جاوز حدود الأدب؟! وهل التحرر من عقال الدين والخلق وتناول المحرمات الثلاث: الجنس والدين والسياسة هو ما ينتج أدبا رفيعا؟! هل هذه مقاييسنا أم مقاييس غيرنا فصلوها على هواهم واضطررنا كجمهور متلقٍ وغير منتج أن نلبس على غير مقاسنا، ونقرأ ضد مبادئنا أعمالا أحسن الاعلام التسويق حتى أصبحت اسما لامعا وموضة رائجة، ولكن المواجهة معها تسفر عن معركة خاسرة ووقت مضيّع، ولكن سوق الأدب لا يعترف بالفراغ فإذا غاب عنه اصحاب المبادئ سيملؤه المنتفعون من زخرف القول!
هنا تيجيء روايات العتوم لتملأ الفراغ وتسد جوعة الصائمين دهرا وتغيث الملهوفين الى كلمة تبني فيهم فكرة في واقع يسلبهم كل جميل لعل عالم الأدب يكون أرحم وأجمل وأكثر أملا من عالم البشر والحقيقة!
*عندما يصبح الشاعر روائيا...
الشعر والرواية نمطان أدبيان مختلفان قلما يجتمعان لشخص، فقد يبدع المرء في النثر ولا يستسلم له زمام الشعر وقد يتجلى في نظم الكلام عقدا فريدا من الموسيقى ولا يطاوعه صف الكلام في جمل منثورة.
اما مع العتوم فشاعريته المنثورة تكاد تتفوق او تفوقت على شاعريته المنظومة، فهو يأسرك بجمال الصورة والعبارة فتضطر أحيانا أن تعيد وتزيد لمجرد ان تفهم ثم تعيد وتزيد لمجرد أن تطرب، ثم تعيد وتزيد ليلتحم المكتوب مع روحك وعقلك ولحمك ودمك
*حديث الجنود: نص الربيع الأردني الموؤد في 1986 و2013
أصعب أنواع الكتابة الادبية ان تتعاطى مع التاريخ كمصدر فالتاريخ لا يرحم واما ان ينجح الكاتب في تقديمه حيا غضا نابضا مفعما بالحياة أو يسقط الكاتب مع قرائه في فخ القدم والتكرار الممل! فإحياء الأموات مهمة مستحيلة وهذه قد تكلف الكاتب سمعته ما لم يتفاعل الجمهور مع قدم التاريخ بجدة الحاضر، وينتظرون حبكة متطورة وذروة قادمة واضافة جديدة.
من يقرأ حديث الجنود لن يجد التاريخ المجرد فقط بل مزيجا من جلال الماضي وجمال التقديم وصحة المعلومة وإبداع القصة؛
بعض الاموات يجب الا يُزعجوا وبعض الصفحات يجب ان يطويها النسيان، ولكن العتوم اختار في حديث الجنود أن يعيد فتح صفحة ما أغلقت تماما! فكيف يغلق ملف فيه دماء لم يقتص لها؟! وكيف تقيض قضية ضد مجهول والجاني معروف؟! وكيف يضيع خيرة شباب الوطن ما بين شهيد وجريج ومسجون ومطارد ومنفي بالقسر او الاختيار؟!هذه الاسئلة لا تنطبق على احداث جامعة اليرموك عام 1986 ولا على طلابها انذاك فقط؛ إنها حكايتنا المتجددة مع وطننا في كل مرحلة ومع كل جيل جديد!!! البذرة جاهزة والارض عطشى ولكن صاحب الارض مفرط يصر ان يبقيها بوارا!!
فما كان يمكن ان يكون صفحة مشرقة في تاريخ الحركة الطلابية والاردن ككل تحول الى ملحمة دموية يوم تدخل العسكر فداسوا على أصحاب العقول والمبادرات، وبدل ان يستثمروا فيهم كقادة وفي الجامعات كحاضنات سحقوهم بلا رحمة ولا هوادة!!
يتكرر التاريخ ليعلمنا انه يعيد نفسه؛ فالموؤودون يومها من القيادات الطلابية كان ذنبهم انهم ثاروا ضد ظلم وتعسف وقع عليهم كطلاب ضمن ما كانوا يظنونه حرم الجامعة ليكتشفوا ونكتشف معهم أن لا حرمة لشيء عند من يظنون انهم يملكون حياة ومصائر الناس بأيديهم؛ فحتى شهر رمضان لم يشفع لطلاب الجامعة كما لن يشفع شافع لكل من تسول له نفسه برفع صوته في وجه مستبد صغير او كبير حيث لا ارض تقي ولا سماء تظل!!!
عندما تقرأ حديث الجنود تلح عليك أسئلة مريرة:
ماذا لو أجابوهم الى مطالبهم العادلة؟! ماذا لو لم يتعنتوا؟!هل كانت الجامعة على شفا الافلاس وكان الانقاذ الوحيد من جيوب الطلبة وأهاليهم؟!
لا ريب ان شخصيات الرواية الحقيقة تستحق البطولة الحياتية والروائية ولكن زادت بطولتهم ولمعت ان المقابلين لهم كانوا من السفه والجهالة والرعونة بمكان ان يحولوا طلابا عزلا الى أعداء، وحرما جامعيا الى ثكنة عسكرية وغزوة حربية يرددون بعد انتهائها»حررناها»!!!
ويبرز سؤال :هل اختلفت الحلقة الاولى من الربيع الاردني نسخة 86 عن الحلقة الثانية إنتاج 2013؟!
هل نجحت الدولة في وأد الربيع الاول بالقوة العسكرية والربيع الثاني بالتخويف من استخدامها والتلويح بالعصا لمن عصى؟!
قد يخرج قارئ بهذه النتيجة من الرواية فالابطال لم ينجحوا يومها وجمهور اليوم لا يجب ان يعيد الكرة! ولكن هذه القراءة السطحية، اما القراءة المتعمقة فستجد في الرواية إعادة تقديم للنماذج والقيادات والافكار والوسائل والنهايات والاخطاء للاستفادة من الدروس.
لقد خرج العتوم في آخر القصة من عالم الرواية ودخل عالم الحقيقة وقدم شهادات حية لشهود عيان ليضع شيئا من المعلومة بين يدي القراء لمزيد من البحث والتمحيص لمن يجيد التقاط الرسائل.