الأمة بين الواقع الرديء والمستقبل الوضيء /4

نشر 19 ابريل 2014 | 10:00

1- مدخل: استمرار تشخيص الواقع السياسي.

سبق القول إن تشخيص الواقع بدقة مهم جداً في وصف العلاج الناجع بفعالية. والخلط والخبط في هذا التشخيص سيترتب عليه بلا ريب وصف دواء إما غير فعال وإما ضار بالحالة.

 

وقلنا إن من أهم أو أهم عناصر الواقع: النظام السياسي.. لأنه كالدم يسري في كل جزء في الجسم حتى في أدق أجزاء العين. ومن هنا أطلنا ونطيل في وصف هذا الواقع ورسم ملامح صورته.

 

وفي هذه الحلقة سنتكلم عن عدة نقاط وفي التالية كذلك في محاولة لمزيد من تحديد حيثيات مشكلة النظام السياسي. عسى أن نفكر جميعاً في الوصف للمشكلة وفي ما يتبعه من علاج.

 

وقلت: حبذا لو كان يسهم في وصف هذا الواقع متخصصون لا مرتجلون كحالتنا. فكلام الدارس المتخصص ليس ككلام عابر السبيل. لكن هذا إسهام على قدر الحال، وبما يمكن بلا أدوات ولا سبر ولا تحليل.. فمعذرة إن جاء الكلام على قدر الحال أيضاً..

2- تفكيك المجتمع.

 

خطة قديمة جديدة متجددة مستمرة هي هذه الخطة وقديماً لخصت سياسة المستعمر بكلمتين و6 حروف «فرِّق تسد». وهل تظنون أن سياسة وكلاء المستعمر أو نوابه أو ورثته أو موظفوه ستختلف عن سياسة المعلم؟ الجواب كما أظن أن لا خلاف عليه: لن تختلف السياسة الاستعمارية في مرحلة ما بعد الاستعمار أو «ما بعد الكولونيالية».

 

و»فرعون» لم يكن وكيلاً لاستعمار خارجي، ومع هذا اتبع هذه السياسة لأنها تخدم كل منحرف مستبد فاسد متأله. فهي أولاً تشغل الناس بأنفسهم وببعضهم، وتجعل المجتمع شيعاً متضاربة متحاربة فيرتاح النظام من صداع اجتماع الناس على مطلب شعبي واحد.

وقد كلمنا القرآن عن هذه الخطة في الآية الكريمة من أول سورة القصص: «إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً..»

فهو قد جعل علوه مرتبطاً بتقسيم الناس وتقطيعهم إلى شيع. أو هو جعل هذا التمزيق سلماً لعلوه في الأرض. والأرض هنا هي القطر المصري. فقسمهم ليس إلى قسمين: الشعب المصري وبني إسرائيل (على طريقة إنتو شعب واحنا شعب) لا ولكن النص القرآني عبر بصيغة أشمل وأعم بصيغة الجمع: «وجعل أهلها شيعاً..» فربما لعب على وتر البعد الديني، والجهوي، والفئوي، والطبقي، والعنصري إلى آخر ما يمكن أن يخطر على بال في تقسيم الشعوب وتمزيقها.. لينعم الجالس على القمة بنعمة الأمن، وليذهب غيره إلى هاوية الجحيم.

 

3- تفخيخ الواقع.

تعلمنا من دروس الاستعمار والإنجليزي منه بالذات أنه يترك وراءه مشكلات ربما تحتاج إلى أجيال لحلها وربما لا تحل. ولاحظ كيف ترك باكستان جزءين: باكستان الشرقية وانفصلت فأصبحت بنغلادش وباكستان الغربية التي ظلت هي باكستان. وهل تعلم أن بين عُمان واليمن الجنوبي والإمارات مشكلات حدود خلفها الاستعمار إياه. وبين قطر ونظام السعودية خلاف حدود. وبين اليمن والسعودية خلافات حدودية، وبين قطر والبحرين.. وكيف فخخ الإنجليز الواقع في ماليزيا باستقدام الهنود الهندوس والسيخ والصينيين البوذيين إلى بلاد الملايو (ماليزيا) فأصبح نصف السكان مسلمين ونصفهم وثنيين. وكيف انفصلت بروناي عن ماليزيا. وانفصلت تيمور الشرقية عن أندونيسيا. وكيف زرعوا إسرائيل في فلسطيننا.. وكيف تركوا بين الكويت والعراق ألغاماً تفجرت ففجرت بتفجرها العالم العربي المتشظي أصلاً. فالواقع السياسي تركه الاستعمار ملغماً مفخخاً بالمتفجرات كالعبوات التي يتركها الإرهابيون من كل القوميات والنحل في العالم لتعلم أنهم مروا من هنا أو من هناك.

 

وكيف تركت أمريكا العراق مفخخاً بالطائفية وصراع القوميات وتشتت الهويات، واخترعوا ديمقراطية مفصلة لتمزيق العراق.. والشواهد والأمثلة من واقعنا لا تنتهي. هل نكلمك عن جنوب السودان الذي صنع منه الإنجليز كياناً برسم الانفصال.. وقد انفصل بعد خمسين سنة أو تزيد من الاستقلال (المتوهم أو المزعوم!) وأصبح جنوب السودان دولة وهنأها البشير باستقلالها..!

على أن أخطر مما صنعه الاستعمار يصنعه الآن أدوات الاستعمار ووكلاؤه في أوطانهم.

 

وبعد كتابة هذه السطور هذا اليوم قرأت مقالاً يلخص دراسة وهذا ما كنت ألمحت إليه في المدخل حاجتنا إلى دراسات لا إلى مجرد مقالات فوجدت الدراسة والمقالة –فيما أرى- على مقاس ما نتحدث عنه. والدراسة هي لأستاذ الاقتصاد في جامعة هارفرد الأمريكية: «إدوار غليسر» وعنوانها وعنوان المقالة التي اقتبستها هو: «الاقتصاد السياسي للكراهية» وألخص لكم الملخص.

يبدأ الحديث بسؤال عن المداخل الملفتة لفهم «القفزات المدمرة»، أو السحرية، في نماذج متناقضة من مجتمعات وشعوب متعايشة ومتآلفة إلى مجتمعات منقسمة ومحتربة أو العكس تماماً (يضرب مثلاً بانتهاء عداء اليهود في أوربا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية).

 

وتفسير غليسر يلخص في أنه: يمكن النظر إلى الظاهرة باعتبارها مسألة «عرض» للكراهية من قبل السياسيين والنخب عموماً، تجد «طلباً» من قبل المواطنين.

 

إن «رواد الكراهية» على جانب العرض يتجرأون على نشر الكراهية من اعتقاد بأن الأرباح المتأتية عنها لا بد أن تزيد على الخسائر المرافقة لذلك، تماماً كما أن المتلقين يقررون الاستجابة لرسائل الكراهية، استناداً إلى ذات المعيار: الحفاظ على المكاسب السياسية والاقتصادية على حساب الفئات المستهدفة بالإقصاء، أو حتى نيل القبول الاجتماعي من خلال الانتماء إلى الأغلبية الكارهة. (السيسي مش بيلعب!) ومن ثم يمكن فهم أنه رغم وجود أمريكيين بيض معادين اليوم لمواطنيهم من أصول إفريقية، إلا أنهم لا يجرؤون على التعبير عن رأيهم هذا «عرض الكراهية» لانعدام وجود «الطلب» الشعبي. بما سيجعل هؤلاء الكارهين منبوذين..

 

ثم يسأل مقال الرشواني عن دراسة غليسر، عن أسباب نشوء الطلب الشعبي على الكراهية، وبعبارة أخرى: كيف تتحقق على المستوى الشعبي «عقلانية» تفوق أرباح الكراهية على خسائرها كافة؟

 

يقول الرشواني: يقدم غليسر عاملين اثنين بشأن الفئة المستهدفة بالكراهية: أن تكون ذات صلة «سياسياً»، ومعزولة اجتماعياً وفيما يسمح العامل الثاني بتبني خرافات وأساطير الكراهية من دون تمحيص..

 

ويختم الرشواني مقاله بقوله: هكذا فإن جاهزية بلدان عربية مثل سوريا والعراق واليمن وغيرها لعرض الكراهية والطلب عليها اليوم لا يمكن أن يكون إلا واحداً من جوانب إرث دولة الاستبداد والتخلف فهي المسؤولة وحدها عن خلق ظروف الحروب الأهلية في تلك البلدان» أ.هـ.

 

4- وبعد.

فقد نبه المرحوم سعد جمعة في كتابه القيم «مجتمع الكراهية» منذ أربعة عقود إلى هذه الظاهرة وكيف أن مناخ الكراهية يحيط أو يحيق بالجميع (فكله يكره كله). ولعل ما يشيعه الانقلابيون اليوم في مصر ومحاولاتهم المستميتة في نشر أجواء الكراهية ومناخاتها ليفروا بجريمتهم ويعلقوا الأخطاء كلها على من رموهم بتهمة الإرهاب وجعلوا الشعب –أو هكذ توهموا- يكرههم.. بل يعلن عليهم الحرب.