فلسفة الحسد

نشر 19 ابريل 2014 | 09:57

أول خطيئة ارتكبها إبليس بالحسد فقال هذا الذي كرمت علي، وأول جريمة قتل على وجه البسيطة ارتكبها ابن آدم لأن قربان أخيه تقبل ولم يتقبل قربانه فقال لأقتلنك حسدا. واثنان لا يحسدان الآلهة والموتى. وثلاثة لا علاج لهن فقر يرافقه كسل، ومرض يمازجه هرم، وعداوة يخامرها حسد. وأربعة نزلت فيها سورة الفلق نستعيذ فيها من أربعة شرور: الرابع فيها من شر حاسد إذا حسد. وفي سورة كاملة من القرآن نرى الأثر التدميري للحسد. في قصة يوسف كلما قرأتها زاد عجبي من أولاد يعقوب. حين يتم احتجاز بنيامين لأنه سرق، ويرفض يوسف إطلاقه، ولو مقابل أي واحد من الإخوة قائلا معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده. هنا ينبري الإخوة بعد غياب يوسف الطويل، والحسد يأكل قلوبهم إنه ليس من جديد؛ فهذا اللص سبقه أخوه يوسف إلى نفس الفعلة؟ الويل لكم أنتم دفنتم يوسف على قيد الحياة هو لم يسرق فكيف تلاحقونه في الذاكرة وتتهمونه بما ليس فيه. ضبط يوسف نفسه وأسرها في نفسه ولم يبدها لهم وقال حسنا أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون. وفي علم النفس يبقى الحسد هو المرض النفسي الذي يبقى خفيا لا يصرح به صاحبه، ويبقى صامتا مدمرا لصاحبه ولمن تميز. ويرى (بلوتارخ) الروماني أن الحسد يبقى من بين جميع اضطرابات الروح الشيء الوحيد الذي لا يعُترف به. ويتغلف بأقنعة شتى منها فرط المدح بالعكس تماما.

 

ومنه جاء الحديث بالغبطة وليس الحسد؛ فالغبطة مشاركة، والحسد تمني زوال النعمة واشتهاؤها. فهو كما عبر (سورين كيريكيغارد) الدنمركي: الإعجاب هو ذلك الاستسلام السعيد، والحسد هو إثبات النفس التعيس.

 

وعلينا أن ندرك أن عقارب الحسد والغيرة تتحرك بشكل آلي بدون شعور وفي قلب كل واحد منا حين يتميز أحدنا، ومنه قال الغزالي في كتاب (الإحياء) إن أكثر الحسد هو بين الأقارب وأبناء المهنة الواحدة. يتداول المرضى المثل في وصفة طبيب قدمها لطبيب ثان كي يصرخ من هذا الحمار الذي كتبها؟ قال لي صديق قديم كيف تفسر هذا الكيد ضدي؟ قلت له هو ثمن التميز بالاختصاص والراتب. أذكر عن سيدة كيف كانت تتميز من الغيظ حين السؤال عن عمرها وراتبها؟ في الوقت الذي كانت تحرص فيه على معرفة رواتب الآخرين إلى آخر هللة. من الضروي علاج الحسد قبل أن يتحول إلى سرطان قاتل، بإظهار النواقص وعدم الظهور أكمل مما ينبغي، أو الهرب منه إن أمكن فهو قاتل مدمر.

 

جاءت الروايات جميعا على نهاية أليمة لصاحبها، ولو كان كاملا، فاللذان ينجوان من العقاب هما اثنان فقط: من مات، والآلهة. فليحرص أحدنا على عدم الظهور بمن لاشية فيه.

 

وعلاج الحسد ثلاثة طرق الاعتراف بأن فوق كل ذي علم عليم ودون كل خبير خبير بالاستعداد للترقي، والثاني الانتباه المبكر لعدم اللمعة، وإظهار العيوب الصغيرة بما لا يضر. والاقتراب من الناس بإظهار الزهد بما في أيديهم. جاء في الخطايا السبع المميتة لسولومون شيمل، أن طماعا وحسودا تسابقا عند ملك للحظوة؛ فقال سأعطي أحدكم ما يريد شريطة الضعف للآخر. تمنى الطماع أخذ كل شيء فضغط على الحسود أن يبدأ في الطلب. وخشي الحسود أن يعطيه ضعف ما ينال فتقدم فقال أيها الملك حفظك الله: أريد أن تقلع إحدى عيني. هذه هي نهاية الحسد والحاسد فلينتبه كل فرد منا حين يكتب ويعلق ويطلب ويرغب ويتمنى هل خلفه دافع الحسد أم الرحمة والمغفرة والقرب من الله؟.