الوعاظ أكثر من رمال الربع الخالي، وشريحة الشعبيين منهم أعرض من صحراء الجزائر حتى تندوف. ومن يستمع لهم أكثر من نجوم المجرة. وما يأتيني إلى الإيميل أو صفحات التواصل الاجتماعي أكثر من مياه شلالات نياجارا وأمواج المحيط. مؤخراً سمعت كلمات لواعظ لمع نجمه في أوروبا أكثر من الشعرى اليمانية، يتحدث عن نبش قبور الأمويين لا أدري لماذا؟ وفي هذا الوقت بالذات؟ بعد أن فقدت الناس عقولها في ندبة جراحية تاريخية، يتم نكشها ونكؤها من حين لآخر جهلاً أو خبثاً.
قال الواعظ إن بقايا أحد ملوك بني أمية كانت خيطاً أسود. لا أدري لماذا خيطاً؟ ولماذا بالذات اللون الأسود، وليس الأبيض؛ فالأسود تعبير عنصري. علقت زوجتي ربما سرقت الجثة ووضع بدلاً عنها خيط، ولكن من جديد لماذا خيطاً أسود؟
قال الواعظ العصري ليس بعمة وقفطان بل بكرافتة وبدلة (المودرن Modern) إن من نبش قبور صحابة ـ وينقل هذا عن عالم عراقي ـ اكتشف جثثاً لم يأكلها البلى، ولم تكن عظاماً نخرة، لا.. بل إن ريح مسك عابقة تنبعث منها وهي رميم.
ما أريد ذكره في هذه العجالة أن حدثا تم بعد موت نابليون بفترة وهو أن طالب الشعب الفرنسي بنقل رفات نابليون إلى مقبرة العظماء في باريس (الانفاليد) فلما نبشوا قبره في جزيرة سانت هيلينة روعوا من العثور على جثة كاملة لم ينل منها البلى.
كان نابليون قبل موته قد أرسل خصلات من شعره إلى أناس طلبوها، ومنهم فتاة تعرفت عليه في الجزيرة. كان نابليون كاملاً باستثناء شعره المقصوص. وقام طبيب أسنان سويدي بتتبع الموضوع لمعرفة السر خلف بقاء جثة نابليون دون تحلل، منها تحليل بقايا الشعر المهدى للمحبين له، ليكتشف تسممه من أقرب الناس إليه بالزرنيخ مما حافظ على الجثة.
وهناك باحث ألماني زعم نفس الشيء حول جثة المفكر الفرنسي ديكارت الذي مات في ثلوج السويد عند الملكة كريستينا التي طلبته لتعلم الفلسفة؛ فأرسلت الكنيسة مبعوثها للقضاء عليه خوف اضمحلال الكثالكة من الشمال الأوروبي.
وخلاصة القول إنه لا ملوك بني أمية الذين نبشت قبورهم بشكل همجي على يد الموتورين العباسيين، ولا غيرهم من بني آدم، يمكن أن يصمد أمام قوانين الوجود من التحلل من عدمه، وحالياً ذهب فريق لدراسة الجثث لبحارة نرويجيين ماتوا في الجريب الإسباني عام 1918 وماتوا في صقيع كندا فحفظت جثثهم بالبرد، والطب الشرعي يعرف ذلك بل وظروف تحلل الجثث بل وعمر الجثة. كان ذلك في العلم محفوظاً.
أما عندنا فالوعظ الشعبي مازال يشكل عقليتنا حتى ينجلي غبار الخرافة، ونبدأ بالتفكير العلمي؛ فنحن كما نرى نعيش في حمى القادسية وكربلاء ومعارك العصر الوسيط بكل خرافاته. طاب صباحكم.