أول مبدأ في التعلم هو التعلم من الخطأ فلا يكرره الإنسان إلا في الكهرباء؛ فالخطأ فيها قاتل والتعلم لا يعاد، ومن قُتل أو مات لم يعد إلى الحياة ليتعلم من الخطأ؛ فالخطأ فيها مرة واحدة ما لها من فواق وتكرار.
ثم إن مبادئ التعلم الأساسية تخضع لثلاث قواعد: الخطأ ـ والحذف ـ والإضافة، بمعنى أن الطفل وهو ينمو يتعلم من المحاولة فيخطئ، يقع فيقوم، فلا يعيد الخطأ. أو يعرض أصابعه للنار فتحترق يده فيعرف معنى النار والحريق فلا يكرر، وكذلك تلك الخبرة الجماعية من الخوف من الأفاعي والعقارب ورجال المخابرات فليس خلفهم إلا الخوف والخطر، عفواً الثالثة في بلادنا عموماً، ويبقى رجل الدولة حتى في كندا وألمانيا في غير موضع ترحيب. ومن قرع بابه شرطي فخلفه مصيبة.
ثم ينمي الإنسان خبراته فتتراكم وتتفاعل فينضج فيستوي على ساقه قوة وجمالاً وشباباً، حتى ينحدر من جديد وينطبق عليه قول الرحمن «ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون».
دخلت قاعة العمليات يوماً أغير ثيابي قبل دخول العمليات التفت إلي رئيس قسم الجراحة الدكتور عبدالرحمن وسأل: كيف أنت؟ أجبته: ومن نعمره ننكسه في الخلق ولا أحد يفر منها.
هناك آية أخرى تفيد أنه «وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب»؛ فهذه هي حال العالم الذي قدمنا إليه ثم نودعه فنُقبل على الله فينبئنا بما كنا نفعل.
في قضية الكهرباء أخاف منها وأحذر وأحاول أن أطفئ المصدر الأساسي كله قبل الاقتراب من أي تصليح. قال لي الكهربائي التوتي في مدينة الجديدة في المغرب وهو يلوح بيديه: «انظر؟»، كنت أظنها نوعاً من مرض البهاق وزوال اللون وما شابه، قال: «هي آثار أخطاء الكهرباء، لقد احترقت يداي الاثنتان بالكامل، وهذه هي الآثار». الرجل يشتغل كأنه يصارع الجن، فيوصل ويقطع ويربط ويعالج مسارات الكهرباء بأدق ما يمكن، ويضع التحميلات وغيّر عندي المفتاح الرئيس في خارج المنزل، ولكن آثار حريق الكهرباء تقول لك «هنا الخطر». ومنه أيضا عمدت شركات الكهرباء لرسم جمجمة على صناديق الكهرباء الكبيرة.
أما صديقي الحموي في النماص فسألته عن أعظم ما مر عليه في الكهرباء وهو الخبير؟ قال: أستاذي خبرته أكثر مني عشر مرات، لكنه احترق أمام عيني فأصبح فحماً -ونحن ننظر إليه- بخطأ لم ينتبه له.
أما الأناس المحروقون الذين اجتمعنا بهم فكان أعجبهم أمراً من صعقه تيار بعشرة آلاف فولت ونجا منه، قال: التيار العالي ليس بخطورة المنخفض، وخبير الكهرباء هو من يسأل. «فاسأل به خبيراً». «ولا ينبئك مثل خبير».