جدلية العلمي والإلهي.. «فاليوم ننجيك ببدنك» مثالاً

نشر 13 ابريل 2014 | 10:49

يقول أصحاب مدرسة الإعجاز العلمي إن من معجزات القرآن الكريم أن الله تعالى نجى بدن فرعون: "فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آيةً"، وهو ما يصدقه العلم الحديث، إذ إن مومياء فرعون لا يزال محفوظاً في متحف القاهرة حتى اليوم، لكن العلم يقول أيضاً إن هناك عشرات المومياءات الأخرى المحفوظة حتى اليوم ، وإن سر بقائها هو معرفة قدماء المصريين أسرار التحنيط. .

 

هل نحن حقاً أمام تفسيرين متناقضتين؟ وهل بقي جسد فرعون بمعجزة أم أن من حفظ جسد فرعون هم قدماء المصريين تماماً كما حفظوا مومياءات الملوك الآخرين عبر وسائل التحنيط التي عرفوها؟؟.

بدايةً أنبه إلى أني لا أمتلك معلومات تاريخيةً ولا تفاصيل علميةً إنما قصدي تقديم إطار للتفسير بغض النظر عن التفاصيل التي يتكفل العلم بتوفيرها.

 

القضية لا تتعلق بتناقض بين روايتي الدين والعلم، والالتباس ناشئ فقط عن اختلاف زاوية المعالجة، فالقرآن يتناول المسائل بما يناسب رسالته الروحية لذلك فهو يسقط كل التفاصيل المعرفية غير الضرورية لتحقيق رسالته، عكس العلم الذي يهتم بتفاصيل الإجابة عن أسئلة ماذا وكيف...

 

القرآن يخبرنا أن الله نجى بدن فرعون، وهذا الإخبار لا يأتي في سياق وصف منجزات الحضارة الفرعونية فذلك تخصص العلم، بل يأتي في سياق استخلاص العبرة من مصائر الظالمين، لذلك يعلل القرآن سبب إنجائه: " لتكون لمن خلفك آيةً"، فمن زاوية نظر الدين فالآثار التاريخية ليست للمتعة السياحية والاندهاش، بل هي للتفكر في مصائر الأمم الغابرة واستقاء العبرة، ولهذا السبب أيضاً فإن القرآن ينسب إبقاء جسد فرعون سليماً إلى الله: " ننجيك"، ونسبة الفعل إلى الله ينظر الماديون إليها بأنها فرضية غير ضرورية لكنها في القرآن تناسب مقاصده لأنها تبين حقيقةً إيمانيةً بأن الله هو الفاعل والمحيط من وراء كل أحداث التاريخ والكون..

 

في ذات الوقت الذي يسقط فيه القرآن التفاصيل العلمية فهو لا يناقضها، فلا يوجد في ذكر نجاة فرعون موسى ما ينفي أنه نجى آخرين، لكن القرآن اكتفى بذكر مثل لحالة نموذجية لبيان عاقبة الظالمين.

القرآن أيضاً لا يذكر الآلية التي نجا الله بها بدن فرعون "كيف"، وليس في السياق القرآني ما يبين إن كانت عبر معجزة استثنائية أم عبر قوانين طبيعية يمكن فهمها بالبحث العلمي، وهنا تبرز إشكالية العقلية المعجزاتية التي لا تستطيع أن تفهم فعل الله إلا بالخروج عن سنن الطبيعة، وهي مشكلة كبيرة ندفع تكلفتها الباهظة بالانفصال عن الواقع والبحث العلمي لأننا لا نرى في القرآن سوى محتوىً غيبي دون قدرة على تفكيك مكوناته وإخضاعه للسنن العلمية، مع أن الله يوجهنا في مئات الآيات بأن السنن الطبيعية هي آيات الله: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم"، بل إن أفعال الإنسان ما هي إلا تعبير عن إرادة الله وعمله في هذا الكون: "فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"، "والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينةً ويخلق ما لا تعلمون" مع أن وسائل المواصلات الحديثة مثل السيارة والطائرة هي من اختراع الإنسان إلا أنها من خلق الله فهو الذي هدى الإنسان إلى صناعتها.

 

في ظل هذه الرؤية القرآنية فإنه لا معنى للفصل بين العلمي والإلهي، فالله حاضر في كل الأحداث الكونية، وفعل الله لا يتضح عبر المعجزات الاستثنائية فقط بل عبر السنن الطبيعية، وكما أهلك الله قوم نوح وعاد وثمود في الماضي فإنه أهلك أيضاً في زماننا الحاضر الطغاة من أمثال شاه إيران وصدام وتشاوشيسكو وهتلر والقذافي، لذلك فإن قولنا إن أمريكا أسقطت صدام لا يتعارض مع القول بأن الله أسقط صدام، فالقول الأول تفسير للكيفية الواقعية وهذا هو اهتمام العلم، أما القول الثاني فهو حديث في الغايات الكلية للوجود وهذا هو اهتمام الدين..

 

 

الأمر متروك للعلم فإن أثبت العلم أن بقاء جسد فرعون مرده إلى التحنيط فلن يكون في هذا أي تعارض مع فعل الله، فالله تعالى هو الذي علم الفراعنة أسرار التحنيط: "علم الإنسان ما لم يعلم"، وما الذي يمنع أن فرعون بعد غرقه تم استخراج بدنه من البحر وتحنيطه كما كانت التقاليد سائدةً في التعامل مع الملوك آنذاك، وأن هذا التحنيط هو الذي حفظه من التحلل، وفي جميع الأحوال فإن الله هو الفاعل الأول تماماً كما أن الله هو الذي يهلك الظالمين في زماننا ليس بإرسال صاعقة من السماء، إنما عبر القوانين الطبيعية التي أودعها والتي تقضي بتداول الأيام وتدافع الناس وصعود أمم وموت أخرى..

والله أعلم..