الأمة بين الواقع الرديء والمستقبل الوضيء/2

نشر 12 ابريل 2014 | 11:06

1- مدخل.

 

  هذه هي الحلقة الثانية في هذه السلسلة، تكلمنا في الحلقة الأولى عن النظام السياسي، وأنه النظام الناظم لجميع النظم، بلا مبالغة. وأن صلاحه صلاح النظام كله وفساده فساد النظام كله.

وقلنا إنه في العالم العربي والإسلامي أس البلاء وبيت الداء، وطرحنا قاعدة أو قانوناً أو مقياساً لفهم الواقع العربي والدول الوظيفية العربية، ذلكم هو قول الله تعالى: "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق" وأنه لفهم الواقع لا بد من فهم كيفية نشوء أو تشكل هذا الواقع ومَن شكّله ولماذا؟ ولذلك سميناها "الدول الوظيفية".. أي التي أنشئت لتقوم بوظيفة حددت لها من قبل من أنشأها "Function states".

 

وقلت إن دراسة تاريخ المرض History of diseaseمهمة جداً في التشخيص ومهمة في وصف العلاج وتحديده. ولذلك ينبغي أن نعود دائماً إلى البدايات لنعرف "كيف بدأ الخلق"، وكيف تشكلت الكيانات المسماه دولاً، وأين مربط البعير والحمير في المسألة؟

هذه قضايا لا بد من إدراكها جيداً ووعيها وعياً تاماً في حركة التغيير أو نداءات الإصلاح والمنادين به!

 

2- لماذا استعمر العالم العربي؟

 

  في هذا السياق لا بد من دراسة أسباب وقوع العالم العربي تحت حكم الاستعمار.. أعني بالأسباب: الدواعي التي جعلت الاستعمار يزحف إلى منطقتنا.. ويحكم قبضته على بلداننا. وقد كان طلاب المدارس يعلّمون أن الاستعمار جاء إلى بلداننا طمعاً في ثرواتنا. ويعتبرون أعني من ألفوا الكتب أن الهدف الاقتصادي هو الأوحد في استعمار بلداننا، وأن المحرك المادي والبحث عن أسواق لمصانعهم هو المحرك، وأعتقد أن هذا من باب تحصيل الحاصل، والنتيجة للهدف الأصلي، ألا وهو، الإلحاق الثقافي والفكري والسياسي والقانوني والاجتماعي والمنهجي، بالغرب، فإن حصل هذا صارت التبعية الاقتصادية ثمرة طبيعية.

والاستعمار الفرنسي أخطر أنواع الاستعمار لأنه أكثرها تركيزاً على البعد الثقافي، ولقد تحررت بلدان (نظرياً بالطبع) من الاستعمار الإنجليزي فما بقيت تابعة للسان المستعمر، ولكن بلدان الشمال الأفريقي لم تتحرر بعد ولا في الأفق المنظور أن ستتحرر من التبعية للفرنكوفونية.

 

  لقد أقام الاستعمار حكماً في البلدان التابعة له، حكماً تابعاً له ونخباً تساعد هذا الحكم تابعة لها وولاؤها للمستعمر، ويبدو أن التحرر من قبضة هذه الأنظمة والنخب (الملأ) ومن بعدهم طبقة المثقفين المتعلمنين، المؤمنين بعلمانية متطرفة تعلموها من مستعمرهم، ثم طبقة من الإعلاميين المروجين لكل هذا، ثم مؤسسة عسكرية تحرس كل هذا الإرث وتحميه باستماتة منبعثة من عقيدة عسكرية فاسدة برمجت عليها، ثم من مصالح ضخمة واستفادة مادية ومعنوية واجتماعية وأعمال وأنشطة تجارية ووكالات (والجيش المصري نموذجاً). فكبار الضباط هم من كبار رجال الأعمال، وهذه مفسدة للجيش أي مفسدة. وأخطر المفاسد حراسة الواقع المتفسخ الرديء وضمان استمراره وضمان عدم نجاح أي محاولة تغيير،(وخذ مصر نموذجاً أمثل لكل هذا!)

وبعد كل هذه الضمانات والاحتياطات وخطوط الدفاع هناك قوة عالمية ومؤسسات دولية تدعم بقوة وبكل طاقتها وقدراتها الهائلة بقاء الحال على هذا المنوال.

 

وحتى الأنظمة العلمانية لو حاولت الفكاك من قبضة الاستعمار غير المباشر هذه المرة فإنه سيطاح بها ليؤتى بعميل أكثر إيماناً بالولاء للمستعمر، أو لو حاول نظام من الأنظمة التابعة أن يطور بلده أو أن يصنع فيها مؤسسات حقيقية للديمقراطية أو الحرية فإنه كذلك سيطاح به.

 

3- التمويه والخداع لاستمرار اللعبة..

 

ومن أجل أن تستمر اللعبة على هذا المنوال، كان لا بد من امتصاص نوبات الوعي، أو تطلعات الاستقلال الحقيقي، أو تشوفات الشعوب لانتخاب حكامها ومسؤوليها، هذا كله كان يتم عن طريق تنفيس الاحتقانات والمطالبات والتوجهات، وذلك بانتخابات كالعالم المتقدم تماماً. ولكنه تماثيل وصور ومحنطات ومجسمات ليس فيها نبض ولا حياة ولا دماء جارية ولا حيوية ولا واقعية.

وتأمل الآن في هذه الأيام: انتخابات في مصر، ومرشحون، كأنك في فرنسا، والنتائج مضمونة بل في الجيب، ولا يقال للمرشح الرئاسي الأساسي إلا سيادة الرئيس.. وكأنها ضمنت له، وكأنه ضمن لها..

 

وانتخابات جرت في أفغانستان بين مرشحين يتنافسون وهم في جيب أمريكا وقبضتها مع الحب، لا مع الرفض لهذه التبعية أو نية التحلل منها، فهذا غير متوافر ولا في النوايا، والسرائر والضمائر.

 

وفي العراق انتخابات ديمقراطية وحياة سياسية حقة بعدما انهارت الدكتاتورية، كما زعموا، وهي ديمقراطية كاذبة خاطئة فسخت العراق إلى شيع وملل ونحل وطوائف ومزقت الهوية الوطنية إلى الهويات الفرعية وأعطت أزمّة الحكم ومقاليده، في صفقة تاريخية، لمذهب قابل للتعايش مع من أتوا به، أكثر من قابليته للتعايش، مع من تعايشوا معه منذ فجر الإسلام إلى الآن، وأعتقد أنها "ضربة معلم" من أمريكا والغرب، لأن قراراتهم لا تصدر عن رأي فرد، وإنما عن مؤسسات بحث ودراسات معمقة ونظرة استراتيجية ممتدة. وكم دفعنا ثمن سياسات قصيرة النظر، ومدى تفكير قاصر فج فطير غير خمير. هذه الطائفة الآن تتحكم في عدة بلدان من العالم الإسلامي، تحت غطاء الديمقراطية. ومتى أمسكوا بعصا الصولجان والسلطان فمتى تنتزع من أيديهم؟ والاستعمار يحرس بقاءهم، تحت شعار أنهم هم من يقاوم الاستعمار. إنها لعبة الخداع.

 

وانتخابات في أفغانستان أعتقد أن الرابح الوحيد فيها هم من ذكرنا، والمعلم الكبير في الخارج، والخيارات بين المرشحين هي بين مرتبط ومرتبط، أي بين تابع وتابع، أو بين عميل وعميل، بين أمريكي الولاء وآخر مثله، لا غير، ولا خيارات أخرى، فأنت تأتي بالعملاء تحت غطاء من قشرة زائفة سموها الديمقراطية.

 

وفي لبنان انتخابات على أساس المحاصصة الطائفية، والرئاسة للموارنة منذ عهد فرنسا إلى الآن وإلى نهاية الزمان. لماذا وكيف؟ إنها قوة الاستمرارية، تجعلنا ندور في الفلك الذي وضعنا فيه، كما تدور الأرض في مدارها الذي وضعها فيه الإله الحكيم القدير سبحانه، وتعالى الله عن أن يشبه بصنعه صنيع، لكن المقارنة هي في الالتزام! والنجوم الثلاث الأول معلوم ارتباطهم ب"إسرائيل"!

وفي سوريا انتخابات بعد قليل ستأتي بالأسد للأبد وابنه حافظ الأسد من بعده ومن بعد بعد في صفقة شيطانية أخرى بين الطائفة والقوى الخارجية، والغطاء هو الغطاء، مقاومة الإمبريالية. والخطير أن هذا التزوير، منطل على كثير، بل جل القوى التقدمية والديمقراطية (التي تسمي نفسها وهي غطاء للتنظيمات الشيوعية اللاديمقراطية) والوطنية! واليسارية والعلمانية (جلهم!)!

 

4- وبعد.

 

قد يقال أطلتم لكن أرى أنه لا بد من تشخيص دقيق (مع قلة الأدوات)، ولو درست هذه المسألة في مراكز دراسات لخرجنا بنتائج أكثر تحديداً وأدق تشخيصاً، وأعمق سبراً وأغواراً، لكنها لن تخرج عن أن الواقع صنيعة الاستعمار الذي "تحررنا" منه منذ أزمان، ولا زلنا ندور في فلكه. كما انفصل القمر عن الأرض (في نظرية) ولا يزال يدور في فلكها. والحديث يدور.