الأوديسة السورية

نشر 10 ابريل 2014 | 10:34

قال لي الطبيب الحوراني أمر عجيب يحدث في ظلال الثورة السورية، لقد عاد الضابط من الجيش الحر في زيارة إلى عائلته فأنكرته؛ قال الأطفال: بابا كان غير شكل، قالت الزوجة لقد أصبحت قاسياً عما نعرفك. علق صاحبي الطبيب الحوراني يهز رأسه أسفاً: إنها الحرب التي تغير النفوس!

 

قلت له تذكرني بقصة أوديسيوس تلك التي مثلها فيلماً «كيرك دوجلاس» وزوجته بينلوبي. قال كيف؟ قلت إنه من أروع الأفلام التي أخرجتها هوليوود عام 1954م، فملك ايتيكا أوديسيوس شارك في حملة اليونان لتدمير طروادة. وما زالت تحرض ذكرى تلك الأيام دوما لإنتاج مزيد من الأفلام؛ فقد ظهر قبل فترة فيلم طروادة «Troy» حيث ظهر أخيليس وهيكتور وبريام وباريس وهيلينا.

يقول توينبي المؤرخ عن خطف هيلين على يد باريس، إن الحروب دوما تقوم على أساطير من هذا النوع نساء تختطف، ورجال يساقون إلى مذابح المعارك.

 

أوديسوس كان هو العقل المدبر في تدمير طروادة بخدعة الحصان الخشبي. يقول «ميشيو كاكو» في كتابه فيزياء المستحيل إن «كساندرا» عرض عليها «أبولو» إله الشمس الزواج مقابل فتح بوابة المستقبل أمامها فترى كل شيء. رفضت فكانت عقوبتها رؤية المستقبل وتكذيب من حولها لها واتهامها بالجنون ومعاقبتها بالحبس. فلما صاحت انتبهوا من خدعة أوديسوس والحصان الخشبي ضحك عليها الجميع حتى جاءت الكارثة ماحقة ساحقة.

 

لعنت رئيسة كهنة المعبد أوديسوس أن يتيه طريقه في الرجعة. بقي على ذلك عشرين عاماً. ساعة يجتمع بعملاق بعين واحدة في ليبيا. وأخرى يرى حوريات البحر يدعونه وهي دعوة للهلاك على شاطئ مملوء بالصخور. وأخرى يبقى في ضيافة ساحرة داعرة ستة أشهر قد اتخذت شكل زوجته بينلوبي. أخيراً تدعوه الساحرة لحفل في سماء الأولمب حيث يقع الاختيار على أحد البشر فيكتب له الخلود.

 

يرفض أوديسوس ويؤثر أن يبقى بشراً فانياً. تصيح به الساحرة سيرسا أيها الحمقى من البشر الفانين لا ينفع معكم شيء حتى لو كان منح الخلود. تصيح من جديد تريد الموت انظر خلفك. فجأة ومن الضباب يخرج عديد من الأموات من الصدع فيرى أجامنون ملك أسبرطة يقتل بيد زوجته. يرى أياكس البطل وأخيليس يقولان في ظل الموت لا يبقى شيء. أخيرا وفجأة تظهر أمه وتقول إن زوجته بينلوبي وابنه تيليماخ في انتظاره. يقول نعم أماه أنا عائد.

 

في الصباح يهيئ طوفا ويغادر ليرسو على شاطئ وقد انمحت ذاكرته. وحين يستعيد الذاكرة يعود قافلا إلى ايتيكا على شكل متسول، ليرى أصنافا مشوهة من البشر تريد الامتداد إلى زوجته الباكية المخلصة، التي تنتظر عودته بعد عشرين عاما.

ينتهي الفيلم مع مذبحة مروعة لكل أولئك الأسافل، ولكن الفيلم يختم بهذه العبارة. لقد رجعت أوديسوس ويداك ملطخة بالدم. نعم لقد عدت ولكن لم تبق كما عرفتك حين ودعتني.

 

إنها قصة الضابط من الجيش الحر. لقد تبدل الشعب السوري ولكن نحو القسوة والدم والحقد. على الأقل في قسم منه.