الطبيب الإنسان

نشر 05 ابريل 2014 | 11:13

تشرفتُ يوم الخميس الماضي بلقاء وزير الصحة الفلسطيني الدكتور مفيد المخللاتي بصحبة العديد من الزملاء، وكان اللقاء بناء على طلبه للحديث حول الواقع الذي تعيشه وزارته بفعل الحصار الخانق على قطاع غزة. تحدث الرجل بشكل مهني وموضوعي ولم يغب عن حديثه التحذيرات المتوالية “المقترنة بالأرقام والإحصائيات” من مخاطر انهيار القطاع الصحي، وضرورة تحرك مختلف الأطراف لإنعاشه قبل إعلان وفاته كلياً، الأمر الذي ستكون له تداعيات خطيرة على الجميع.أطباء

 

وخلال حديث الوزير تناقشنا معه حول العديد من القضايا التي تسيء إلى القطاع الصحي وقد تؤدي لهلاكه وضياعه، وقلت للوزير: أنا أجزم بأن عندنا في فلسطين العديد من النماذج الطبية والكفاءات المميزة التي يجب أن نفخر بها أمام العالم، ولولا الخشية من حديث البعض عن دعاية وإعلان لبعض النماذج التي أتحدث عنها لكنت ذكرت أسمائهم، لكن مثل أولئك الأطباء ليسوا بحاجة لدعاية وحسبهم أن الله يعرفهم.

 

ومما قلته كذلك: إن مما يسيء للقطاع الصحي الفلسطيني غياب منظومة الطبيب الإنسان عن مشهدنا الصحي، صحيح كما قلت أن هناك قطاعا واسعا وتسمع الإشادة بجهودهم وتعاملهم مع المرضى تعاملا إنسانياً قبل التعامل الطبي، الأمر الذي ينعكس إيجابا على المريض قبل تلقيه العلاج أصلاً، لكن “السيئة في بلادنا تعم والحسنة تخص”.

 

قلت لوزير الصحة: من خلال حديثا مع من تعالجوا في خارج فلسطين يبدأ الواحد منهم الحديث عن الحنان واللمسة الرحيمة من الطبيب الذي عالجه في الخارج وهو أمر لم يلمسه لدى مع من تعالج عندهم في فلسطين، وربما تكون الخبرة لدى من تعالج عندهم في فلسطين أفضل أضعافاً مضاعفة لما عند أطباء الخارج، لكن يصدق المثل الذي يقول “لاقيني ولا تغديني”.

 

عزيزي الطبيب: إن المطلوب من جانبك أن تتعامل مع المريض تعاملاً مع بشر ومع إنسان يمتلك مشاعر وإحساس، واعلم بأن الابتسامة والكلمة الطيبة هي ثلثي العلاج للمريض الذي يطرق بابك أملا بالشفاء من مرضه وعلته.

 

ومن جانب آخر، فالطبيب الإنسان هو الذي يشعر بمرضاه ولا يجعل رسوم “الكشف” عن المريض في عيادته الخاصة هي الهدف الأول، فما من شك أن الجميع يشعر باشتداد الحصار علينا وقلة ذات اليد لدى الفئة الغالبة من الناس، لكن الفرج من الله لن يأتي وأنت تسمع برسوم كشف من بعض الأطباء تصل إلى خمسين وسبعين شيكل، أنا لا أقول ألا يتقاضى رسوماً كما يفعل بعض الأطباء عندما يشعرون بالفقر الشديد للحالة التي تأتيهم، ولكن الرحمة مطلوبة عسى الله أن يُعجل برحمته عنا ويكسر حصارنا لرحمتنا ببعضنا البعض، أيها الأطباء إن لكم في الدكتور إبراهيم المقادمة رحمه الله نموذجاً “وهو من الأموات وهناك نماذج كما قلت من الأحياء كثيرة”.

 

أخي الطبيب لقد قرأت القسم الذي تقسمونه قبل مزاولة مهنتكم الإنسانية، ومما جاء فيه وللتذكير “… وأن أكونَ عَلى الدوَام من وسائِل رحمة الله، باذلا رِعَايَتي الطبية للقريب والبعيد، للصالح والخاطئ، والصديق والعدو…”، وبهذا الحديث أختم مقالي عسى أن أكون قد حركت مياهاً راكدة في قطاعنا الصحي، الذي هو بحاجة لتحرك من مجموع الأطباء في سبيل إعادة الاعتبار لهذه المهنة الشريفة، وفي النهاية الانهيار إن أصاب القطاع الصحي لا قدر الله فسوف يذهب بالصالح والطالح، فأدركوا أنفسكم قبل فوات الأوان..