(رجالي موجودون في سيناء، وما أقوم به من واجبات، هو رد جميل لمصر). بهذه العبارات أقر محمد دحلان الشخصية المثيرة للجدل بأنه يعمل في سيناء من خلال رجاله، وبعلم السلطات المصرية الحاكمة. نعم هو لم يسمِّ واجباته وأعماله ولم يحددها، لأنه لا يستطيع تحديدها علناً وإن كان يعرفها جيدا، لأنها و بالتأكيد من الأنواع الأمنية الخطرة التي يرفضها الفلسطيني والمصري على السواء.
بعض وسائل الإعلام حاورت مختصين في الجيش والأمن بغرض الوقوف على المهام والواجبات التي يقوم بها الرجل في سيناء، فكانت الإجابة في اتجاهين:
الأول يرى أن دحلان يكبّر حجره، ويعظم دوره، ولو صرح بأعماله لكشف عن صغر دوره، وعن وجود هامشي له ولرجاله، لذا أثار التعمية والغموض ليصل إلى ما يريد من التعظيم.
والآخر يرى أن الرجل يقوم بأعمال استخبارية ، لصالح الآخرين بتكليف منهم، ضد سكان سيناء. في سيناء تلتقي مصالح دول عديدة منها مصر وإسرائيل ودول في الخليج والأردن، ويقال إن سيناء تحتضن مخابرات دول عديدة. وفي محاضرة قال المتحدث: كل مخابرات الدول موجودة في سيناء إلا الدولة المصرية، وكانت محاضرته تعقيباً على مقتل بعض المجندين في أول حكم محمد مرسي.
المفارقة التي أود التنويه إليها هي أن الإعلام المصري يتحدث كثيراً عن وجود حماس في سيناء، ويكيل لها الاتهامات الباطلة، وحماس تنفي الوجود أصلاً وتنفي الاتهامات أيضاً، بينما يسكت الإعلام المصري عن دحلان ورجاله مع أنه يقر بوجودهم، ويعترف بأنه يقوم بأعمال لصالح غيره. فلماذا يسكت الإعلام هنا ، ويفجر هناك؟!!
لا علاقة للشعب الفلسطيني بخدمات دحلان في سيناء أو في مصر، ولا يهمه حجم هذه الخدمات كبيرة كانت أم صغيرة، لأن الشعب الفلسطيني لا يتدخل في شئون البلاد العربية الداخلية، ولا يبيع خدمات أمنية لأحد، وحسْبُ فصائله أن تتفرغ للعدو المحتل، لذا رأيت الفصائل الوطنية والإسلامية هي الأكثر إنكاراً على دحلان تصريحاته التي ذكرتها آنفاً.
من مآخذ حماس على الأمن الوقائي بعد سيطرتها على بعض وثائق المقر الرئيس في غزة في 2007م، هو تدخل الجهاز في الشئون العربية وبيعه لخدمات أمنية لأكثر من جهة استخبارية عربية وغير عربية، في مخالفة صريحة للقانون الفلسطيني. وها نحن اليوم نسمع من الجهات القيادية الفلسطينية أن المعلومات الأمنية ساعدت الجيش الإسرائيلي على قتل بعض الشخصيات القيادية الفلسطينية.
في فلسطين لا ينكر أحد من الشعب وجود هذه التجارة، وتلك الخدمات، التي يسميها (تخابراً، أو عمالة)، والناس يملكون في ذلك قصصاً وحكايات، ولكن الجديد فيما يجري ونسمع هو تأكيد القيادة على صحة المعلومة الشعبية، وتنزيل المعلومة على وقائع بعينها، وأن المتخاصمين ذهبوا في اتجاه الفضيحة وكشف المستور مضطرين، لا مختارين بعد أن أخفوها عن الشعب سنين. إن ما قيل حتى الآن قليل ، وما خفي أعظم.