رُب ضارة نافعة.. مصر نموذجاً

نشر 05 مارس 2014 | 03:52

ما من شك أن العلاقات الفلسطينية المصرية أكثر من علاقة جوار وحدود مشتركة، شئنا أم أبينا، وهذه العلاقات على المستوى الشعبي جعلت دماء المصريين تختلط بدماء إخوانهم الفلسطينيين على أرض فلسطين في مواجهة المحتل الصهيوني العدو المشترك للجانبين، وهو العدو الذي سفك دمائنا كفلسطينيين كما سفك دمائهم ولا يزال حتى الآن، وإن كانت وسائل الإعلام المصرية التي تتفنن في الهجوم هذه الأيام على قطاع غزة لا تجرؤ على ذكر حادث واحد لقتل الجنود المصريين المستمر بشكل متكرر في سيناء!!.مصر

 

القرار الأخير الذي أصدرته إحدى المحاكم المصرية بمصادرة أملاك حماس على أرض مصر وحظر أنشطتها لم يكن مفاجأة بالنسبة لمواطني القطاع المحاصر بفعل قرارات رسمية مصرية ترفضها القطاعات الشعبية الواسعة لغالبية المصريين الذين تجمعهم علاقات نسب ودين وجوار مع أشقائهم المصريين، لكن هذا القرار جاء ليؤكد بأن المستوى السياسي المصري يقوم بالفعل بما عجزت عنه قوات الاحتلال الصهيوني ضد قطاع غزة، بل وينفذ ذلك بجدارة.

 

ومن جانب آخر، فأعتقد أن القرار الذي ينظر إليه البعض بأنه ضار على القضية الفلسطينية هو نافع لها من جوانب عدة، وكما يقولون “رُبَ ضارةٍ نافعة”، ويمكن إجمال تلك الأمور في التالي:

 

1-  على مدار عقود من الزمن التي زرع فيها النظام المصري الرسمي أركان دولته العميقة ومنها القضاء، لم يستطع أحد أيا كان التشكيك بقرارات القضاء الذي وصفوه بـ” القضاء الشامخ”، وبالتالي فأي مشكك في قراراته كان يُحاكم أكثر كثيراً مما لو كفر بالله الواحد القهار.

 

2-  النظام الرسمي المصري لم يكن يسعى لمصالحة حقيقية على أرض فلسطين بين حركتي “فتح” و”حماس”، وإن ما كان يقوم به مجرد بروتكول إعلامي فقط لإلهاء الشعب المصري والكذب عليه بحجة دوره في دعم القضية الفلسطينية، وإلا فهذا القرار يؤكد إدارته للظهر لحركة “حماس” أكبر الفصائل الفلسطينية الحاكمة في قطاع غزة.

 

3-  النظام المصري يعمل جاهدا لضرب المقاومة الفلسطينية خدمة للعدو الصهيوني، ودوره كان واضحا في الضغط على حماس لقبول تنفيذ صفقة “شاليط” بأقل فائدة ممكنة، وكما قال أحدهم: “لو أن حماس تفاوضت مع العدو الصهيوني بشكل مباشر لتنفيذ صفقة وفاء الأحرار لكانت حققت إنجازات أكبر للصفقة، ولكانت نفذت الصفقة بوقت أقل كثيرا مما استغرقته خلال الرعاية المصرية لها”، ويعود ذلك لأن رئيس المخابرات المصرية- كما قال ذلك الشخص خلال حديثه معي- أن الجانب المصري الرسمي كان يفتح عيون العدو الصهيوني على محاذير خلال تنفيذ الصفقة الأمر الذي أخرها لهذه المدة الطويلة.

 

4-  النظام المصري يُضيق الخناق على مواطني قطاع غزة منذ عقود من الزمن على الرغم من حماية الفلسطينيين لحدود جارتهم في الدين والعقيدة والقومية، ولم يُسجل أي حوادث اعتداء من جانب الفلسطينيين على مصر على مدار سنوات طويلة رغم الاتهامات التي يسوقها الإعلام والقضاء المصري. وعلى الجانب الآخر فالصهيوني يُعامل معاملة غير طبيعية على أرض مصر مقارنة بأي أجنبي آخر، فهو يدخل مصر ويتجول فيها على مدار الساعة ويتواجد في أي مكان منها ويُعامل معاملة طيبة وبدون جواز سفر أو فيزا أو غيره، في مقابل قتل جنوده للجنود المصريين بشكل مستمر، فيا لها من قسمة سيئة يا مصر!!.

 

5-  إن المستوى السياسي المصري بقراره هذا يستهدف رأس المقاومة الفلسطينية المتمثلة في حركة “حماس” وبدلا من دعم الحركة بالسلاح لمواجهة “إسرائيل” التي من المفترض أنها تحتل فلسطين والقدس قبلة المسلمين الأولى والتي واجب تحريرها يقع على المسلمين كافة، وبدلا من ذلك فإنها تحظر أنشطة الحركة- غير الموجودة أصلا- على أرض مصر، وما دام المستوى الرسمي يحظر حركة سلاحها موجه للعدو الصهيوني ويدافع عن حدود جارته مصر، فماذا يعني ذلك؟.

 

6-  وفلسطينيا، فالقرار أظهر وبشكل واضح الطفيليات من الفصائل الفلسطينية، سواء من حركة “فتح” أو من اليسار الفلسطيني، والذين منهم من صرح متشفيا بحركة “حماس” على اعتبار كثرة السكاكين التي تتهاوى عليها- كما يعتقد- مثل حركة “فتح” ومنهم من بقي صامتا صمت القبور كغالبية الفصائل الأخرى، الأمر الذي يتنافى مع أبسط أبجديات العمل السياسي، والقرار وإن كان يستهدف “حماس” إلا أن الشعب الفلسطيني المتضرر الأول منها، وبالتالي فصمت تلك الفصائل غير مبرر إلا على اعتبار أن بعضهم يستخدم “النذالة السياسية”، لكن هذا أمر جيد في سبيل اكتشاف الشعب الفلسطيني للفصيل الباحث عن مصالحه من ذلك المُتغني بها عبر شاشات التلفزة.

 

الآن وبعد القرار يبدو واضحا المخطط الذي يدور من حولنا ويستهدف رأس المقاومة الفلسطينية وهذا أمر بكل تأكيد لن يرضاه المواطن المصري الذي فاضت دماؤه على أرض ‫‏فلسطين و‏غزة في مواجهة العدو المشترك لنا ولهم “‫‏إسرائيل”، والمخطط يبدو واضحا وأنه في سبيل حرف أنظار الشعب الفلسطيني لموضوع حظر حركة “حماس”، بينما يتم السير في سبيل توقيع رئيس السلطة محمود عباس على اتفاق “كيري” نهاية الشهر الجاري، وهو اتفاق يقوم على أساس اعتراف عباس بيهودية الكيان. وبذلك يكون “عباس” قد ضمن لاسمه مكاناً في ركن التاريخ الذي يستحقه.

 

أما بخصوص قرارات القضاء المصري والموقف الرسمي في مصر فحتما هذا الأمر لن يؤثر على العلاقات المجتمعية بين الشعبين هذا من جانب، بل وسيزيد من الجمهور المصري للبحث عن حركة “حماس” وأصلها وتصرفاتها الأمر الذي سيزيد من انتشار التأييد لها على أرض مصر. ومن جانب آخر فالأنظمة المستبدة كالنظام المصري الحالي في العادة تتعجل إصدار القرارات التي تقضي عليها، وكان الأجدر بذلك النظام سؤال حليفه المتمثل بالكيان الصهيوني قبل التعامل بالعصا مع الفلسطينيين. إن المعادلة مع شعبنا تقوم على التالي: الفلسطيني يضع من يحترمه فوق رأسه ليس ذلا ولا هواناً، لكن الفلسطيني كذلك يرفض العيش بذلٍ لحظة واحدة من أي طرف كان، ولا يرفع الراية البيضاء وإن تحول جسده لأشلاء.