ان التصريحات التي اطلقتها حكومة حماس في غزة على لسان السيد محمود الزهار قد تحمل في طياتها الكثير من الجدليات والمعاني التي تلح على كل فلسطيني ان يقف عندها بتأني وتروي كبيرين ،ليستخلص عِبَر الماضي ،ويفهم الواقع ،فبالتالي يستشرف المستقبل .
والسؤال الذي يطرح نفسه بتوجس مخيف ،الى اين ستؤول الامور؟ خصوصا ان الارتباط الاقتصادي هو بحد ذاته مقدمة ضرورية وضاغطة الى الارتباط السياسي ،لا شك ان الحصار وما انبثق عنه في الاونة الاخيرة من نتائج هي سلاح ذو حدين ،اذا ادخلت هذه النتائج في القالب الاستراتيجي .
القيادة السياسية لحكومة حماس لن تقف صامتة ازاء التصعيد الاسرائيلي الخانق والمحاصر لكل ما هو انساني ويساعد على البقاء في غزة املا من الثانية ان تستثمر احزان ومعاناة الشعب بالتمرد على حماس ، ليضعف نفوذها ،ويساعد على فشلها في ادارة الامور في غزة ،فكان لابد للامور ان تأخذ منحنى اخر من التصعيد من جانب القيادة السياسية في غزة وهو ما تم بلورته من خلال كسر الحصار واستثمار قوى الشعب الكبيرة والمؤثرة في دخول الحدود وارساء وضع جديد على ارض الواقع ترجم مجموع الغضب المتراكم من فئات الشعب والتي قامت حماس فيما بعد بتخليقه سياسيا ليأخذ التوجه الذي من شأنه ان يدعم صمود الفرد والمجموع بشكليه الفصائلي والانساني.
خصوصا بعد ما صورت عدسات العالم كله صور الناس وهي تهلع لشراء المؤن والغذاء لا لشراء الاسلحة والمتفجرات كما توهم اسرائيل العالم بذلك ، وهو ما نجحت فيه حماس ،واستطاعت ان تبرهن للجميع انها بالاضافة لكونها حركة مقاومة نوعية الا انها تستطيع ان تترجم جهود المقاومة والصمود في توجهاته الصحيحة والخادمة للمشروع الفلسطيني ككل .
لكن الملفت للريبة هنا ،هو ذلك الانضمام الى النظام الاقتصادي المصري ،لا شك ان الخطوة تبدو في ظاهرها نجاح نوعي ، فيما لو استطاعت حماس ان تستقل اقتصاديا عن الاحتلال وقرفه البغيض ، لكن الى اين ستوصل غزة الطريق المتوجه نحو الارتباط الاقتصادي بمصر .
هناك سناريوهات عديدة للمشهد المستقبلي ان بقي يتطور على هذا الصعيد اقلها التجزئة ثم التشتت لوحدة القضية الفلسطينية ،خصوصا في المحفل الدولي ،هذا المحفل الذي لا تثق به حماس نهائيا وهو بدوره يعتبرها العدو اللدود مع محور الشر حسب النظرية الامريكية وكل المتصهينين في العالم
لذلك نقرع الجرس هنا للقيادة السياسية لحماس وكذلك للرئاسة في رام الله على ضرورة الوحدة وقدسية الحوار ، قد تستطيع حماس الافلات من كثير من سناريوهات التجزئة التي سوف تعهد اسرائيل وحلفاؤها في العالم الى خلقها اذا ما ارتبطت غزة بمصر لاي نوع من الارتباطات المفصلية ، وذلك بفضل المنهجية التنظيمية ووحدة القرار التي ما زالت حماس تعمل بهما .
لكن الى اين تتجه الضفة الغربية بعد ذهاب رئيسها محمود عباس ، وتراجع وتخلخل الجسم التنظيمي لحركة فتح التي طالما مثلت هذه الحركة العملاقة الام للثورة الفلسطينية وحامية المشروع الوطني .
الى اين تتجه الضفة الفلسطينية ،الى اين تتجه غزة ، والى اين تتجه القضية والهوية الفلسطينية
هل عاد الامر الى ما كنا نسمع اجدادنا واباؤنا يتكلمون عنه مرار كلما طنطنت وسائل الاعلام بمؤتمر جديد للقضية الفلسطينية، كانوا دائما يقولون لنا : (القضية محلولة وكل شيء مرسوم مسبقا الضفة مع الاردن وغزة مع مصر .)
هذا كلام العجايز كما كنا نصفه ابان الانتفاضة الاولى ، ونحن في قمة عنفواننا الثوري والنضالي ،لكن بتنا نعتقد ان الامور ستؤول الى ما هو اقل شأنا من هذا ان لم يأخذ قطبي الشعب الفلسطيني بأهمية بالغة ماذا يعني عدم الحوار لهما ،انه ببساطة ضياع الهوية الفلسطينية وتصفية لقضية شعب محتل مهجر ومسلوب،وبالتالي ضياعهما معا (حماس وفتح) وخروج مسميات باجندة امريكية اسرائيلية تسمي نفسها فصائل وطنية تعهد الى تدجين الشعب الحر ، وامرار مخططات التصفية المستمرة لوجود الشعب الفلسطيني وبقائه على ارض الاسراء والمعراج .
بكل ما في حماس وفتح من تباين واختلاف في الطرح والاداء، الا انها تبقى لكل فلسطيني حركات وطنية ذات عمق ثوري داعم للوجود الفلسطيني وتحرره ،عكس ما سيأتينا لو بهت وميض هذين الحركتين ،خصوصا اذا خرجت علينا حركات جديدة غالبا ما تكون مأمركة الجوهر والمضمون ، كما حدث ويحدث في مناطق مختلفة من العالم ،وهو ما بات يعرف بالوصفة الامريكية للشعوب ، تحت شعار رئيسها الحالي المتنمر جورج بوش (رؤيا مفعمة بالامل) .
لهذا تكمن اهمية الحوار بين حماس وفتح ،بحيث يكون الامر مختلفا اختلافا كبيرا وجوهريا لو قامت غزة باي خطوات ارتباط مع مصر ولكن تحت مظلة الوطن الام ،ليفسر الامر حينئذ على كونه تبادلات تجارية واقتصادية بحكم الحاجة لان القدس وقتها تكون بوصلة الجميع ولا يكون استعمال غزة للنقود المصرية وقتئذ اي معنى سياسي .
من هنا تأتي اهمية دخول حماس في منظمة التحرير، والعمل على اصلاح وترتيب البيت الفلسطيني بقوة المظلة السياسية الواحدة ، والجسم الشرعي المتوحد الممثل لكل فئات الشعب ،والا ما سيحدث لحماس وفتح يكون كما حدث في القول المأثور (أكلت يوم أكل الثور الابيض) .