قصة تشاوسسكو وبشار الكيماوي

نشر 26 فبراير 2014 | 04:11

كل الطواغيت يكررون نفس الجملة أنا لست مثلهم. فرعون يعتبر النموذج القرآني المميز في الاستهتار والتهور وسوء العاقبة وعدم تقدير المخاطر. كان تشاوسسكو كثير الزيارة لسوريا فيعلم السوريين هناك الدروس التي لم يعرفوها في الطغيان. وحين نرى بشار الكيماوي أين وصل يجعلنا نتذكر الأيام الأخيرة لطاغية بوخارست؛ فقد سئل وكان في زيارة لملالي طهران قبل مصرعه بأربعة أيام بعد اندلاع الأحداث في مدينة (تيمي شوارا) على يد قسيس مسالم عما يجري وهل يخشى أن تتطور الأمور إلى أسوأ قال: عندما تتحول أشجار البلوط إلى تين عندها قد تتغير الأوضاع في رومانيا. قال له الصحفي من جديد ولكن العاصفة في أوروبا الشرقية عرت كل الأشجار فهل يمكن أن يصيب رومانيا ما أصاب من حولها؟ أجاب بثقة مطلقة: هذا صحيح وقد تغيرت الأوضاع في كثير من دول أوروبا الشرقية ولكن رومانيا شيء آخر لا تعرفونه أنتم نحن نعلمه.

 

من الغريب أن كل طاغية يكرر نفس المقولة ويحيق به نفس العذاب. كان ينطق على نحو من يسيطر على القدر وتجري الرياح مرسلات بين يديه. وأنه يشكل استثناءً أسطورياً فوق قوانين التاريخ. ولكن الذي حدث أنه في أيام معدودات أصبح تحت التراب عظة لكل طواغيت الأرض الذين لا يتعظون. وترك خلفه (قصر الشعب) الذي أنفق عليه ميزانية خاصة كي يعمره فسكن المقابر والبلى وتركه خلفه خاويا على عروشه بما ظلم. وسرى عليه قانون التاريخ كما سرى على فرعون والمؤتفكات وأصبح سلفاً ومثلاً للآخرين. وانهار نظامه بأسرع من بيت كرتون. وودع هو والنخبة التي روعت البلاد والعباد فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين.

 

من المثير أنه من رومانيا انتشرت أسطورة (دراكولاDRACULA) فيخرج في الليل بأنياب ذئاب لينقض على النيام فيمتص دماءهم ويحولهم إلى أشباهه على شكل أشباح تعس في عتمة الليل البهيم تنشر الرعب. كان تشاوسسكو دراكولا ولكن يمارس الرعب في وضح النهار. وكان قطيع الاستخبارات (السيكوريتات) مائة ألف أو يزيدون مسلحين بكل عتاد في أوجرة تحت الأرض بأنفاق لا نهاية لها ولكنهم اختفوا خلال أيام وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون.

 

كل طاغية يكرر كلام تشاوسسكو على نحو آخر فيقول نعم إن تشاوسسكو سقط لأن قدميه كانتا من صلصال من فخار أما أنا فمعدني من مارج من نار.

 

والسؤال كيف يمكن لفرد الإمساك برقبة أمة تعد بالملايين؟ ما هي الآلة الخفية الجهنمية للاستبداد؟ كيف نفهم آلية عمل الحاكم والأعوان؟ كيف تتشكل القبائل الأمنية الضاربة؟

 

في عام 1911 م وزِّع منشور شيوعي على شكل كاريكاتير يضم خمسة طوابق وفوق الجميع استقرت صرة مكتنزة بالدولارات. وفي أسفل المنشور كتب (الهرم الرأسمالي).

 

إذا تأملنا الصورة تبين لنا في أعلى الهرم الطبقة الحاكمة وبجانبها عبارة:(نحن نحكمكم). وأسفل منها يبدو أعوان الحاكم وسواعده من كاهن ومبشر ومثقف وبجانبها كلمة:(نحن نخدعكم). أما الطابق الثالث فقد امتلأ بالجنود والأسلحة وبجانبها كلمة:(نحن نقتلكم). وفي أسفل الهرم ارتمى حشد لانهاية له من الجياع والأطفال المهملين والعائلات المحطمة لصنفين من الناس: العمال والفلاحون وبجانبهم جملة: (نحن نعمل من أجل الجميع نحن نطعم الجميع). وبين طبقة البؤساء هذه وطبقة الجنود جلست طبقة مترفة منعمة تأكل من عرق وجهد المساكين وبجانبها كلمة ساخرة:(نحن نأكل من أجلكم).