سلسلة النساء المكافحات من أجل السلام يمتد من حواء التي خلقت للحب والإنجاب وبناء الحضارة، ومرورا بملكة سبأ التي حالت دون نشوب حرب بحكمتها. كذلك يجب تذكر نساء أمازونيات من أنموذج جولدا ماير وتاتشر هن أقرب للمؤسسة الذكورية التي تشن الحروب وتخطط لاجتياح المدن وتدميرا كما يفعل بشار الكيماوي.
نشأت بيرثا فون سوتنر Bertha von Suttner) 1843-1914) في عائلة أرستقراطية في براغ، وفي عام 1889م نشرت قصتها بعنوان تخلصوا من السلاح Die Waffen niederالتي أصدرها ناشر على استحياء وطبع منها ألف نسخة فقط، ليتحول الكتاب إلى أفضل الكتب رواجاً لاحقا، ويُترجَم إلى كل اللغات الأوروبية. وهي قصة آسرة تتحدث عن زوجة عاصرت أربع حروب متتابعة في القارة الأوروبية، وخسرت زوجها وولدها في ساحات القتال، وقررت أن تقول لا للحرب.
حاولت بيرثا فون سوتنر أن تنظم حركة عالمية من أجل السلام؛ إذ كانت تشم رائحة الحرب وترى سحبها القائمة القادمة عبر الأفق الأوروبي؛ فالحرب التي سُمِّيت بـ «العظمى» كانت فاجعة الفواجع، وهي التي فرَّخت الشيوعية والنازية والفاشية، ومهدت للحرب العالمية الثانية.
وأهم إنجاز لتلك المرأة أنها، من خلال علاقتها الطويلة مع ألفرد نوبل، عالم الكيمياء السويدي، أوحت إليه بفكرة جائزة نوبل للسلام. وفي جوِّ الحرب المشحون عام 1914، مُنِعَتْ فون سوتنر من المحاضرات، وسخر الجميع من سذاجتها، وهلَّل الجميع للحرب، وخذلها أقرب الناس إليها من أصدقائها الذين كانوا معها في الصف السلامي، فماتت قبل طلقات جافريلو برنسيب على الأرشيدوق النمساوي في سراييفو بسبعة أيام في 21 يونيو من عام 1914.
إن قصة النساء المكافحات من أجل السلام تظهر في أجلى صورة في قصة ملكة سبأ، وهي واردة في إحدى سور القرآن الكريم عن امرأة في غاية الذكاء والحكمة، استطاعت أن تطوِّق الصراع المسلح مع سليمان الحكيم بحكمة اقتربت فيها من حكمة النبي؛ ففي الوقت الذي هدد فيه سليمان – عليه السلام – بإرسال الجيوش («لنأتينَّهم بجنود لا قِبَل لهم بها ولنخرجنَّهم منها أذلة وهم صاغرون» – النمل 37) كانت تقوم بحكمة بإطفاء نار الحرب من خلال الرسل والهدايا، حتى إنها ذهبت بنفسها لمقابلته بدل الاستعداد للحرب، واعتنقت الدين الجديد حباً في العدل أكثر من الخوف من جيوش سليمان الجرارة من «الجن والإنس والطير فهم يوزعون» (النمل 17).
قالت بعد أن كشفت عن ساقيها، وظنت أن القصر ماء فكان صرحا ممردا من قوارير (رب إني أسلمت مع سليمان لله رب العالمين). لاحظ عبارة (مع سليمان) وليس لسليمان.