قلنا في مقال سابق: إن جون كيري مصر على مواصلة مهمته، ومصر على النجاح ، لأسباب تتعلق بسياسة اميركا في المنطقة، ولأسباب شخصية عند كيري نفسه، حيث يتصرف الرجل وكأنه رئيس أميركا، لا وزير خارجية فحسب، وربما جاءه هذا الإحساس كونه كان منافسا قويا في انتخابات الرئاسة الاميركية يوما.
جون كيري مصر على النجاح بإقناع الطرفين، وبدون إقتناعهما، لذا هو يجند كل أوراق الضغط العربية، والأوربية، وحتى ورقة خصوم محمود عباس من فتح ، من خلال فكرتي : ( مصير عرفات، والاستبدال ).
كيري لا يملك أوراق ضغط قوية على نيتنياهو، والقدر الذي يملكه منها لا تتوفر معه إرادة الضغط، لذا فأنت تجد عباس يائسا، بينما تجد نيتنياهو مصرا على تحقيق ما يريده من التنازلات الفلسطينية، حتى ولو غضب كيري والبيت الأبيض، ومن ثمة أطلق نيتنياهو ضوءا أخضر لمهاجمة كيري شخصيا، مع أن خطة كيري المسربة تحقق جل الرؤية الإسرائيلية بحسب إقرار قيادات عليا في فتح.
كيري مصر على ما يريد، ونيتنياهو مصر على ما يريد، والشعب الفلسطيني مصر على التمسك بثوابته، ومحمود عباس لا يستطيع أن يشنق نفسه، ومعها حركة فتح بحبل إرضاء نيتنياهو، لذا فإن المغامرة بفشل كيري، أهون من المغامرة برضاه ومن ثمة الانتحار.
في أروقة السلطة والسياسة يتحدثون عن خطة اليوم التالي لفشل خطة كيري. وهذا شيء جيد، ولكن علينا أيضاً أن نفكر في خطة اليوم التالي لنجاح كيري، باعتبار أن احتمالي النجاح والفشل قائمين بنسب متقاربة، فضلا عن خطورة المفاجآت، وخطورة الساعات الأخيرة، التي تعودنا عليها عربيا وفلسطينيا.
في اليوم التالي للفشل نحن في حاجة إلى خطوات وطنية محددة تحمي المشروع الوطني. وفي حال نجاح كيري أيضاً نحن في حاجة إلى خطوات محددة لحماية المشروع الوطني. فتح تتحدث عن حال الفشل مع نفسها ومع الفصائل، ولكنها لا تتحدث مع الفصائل عن حال النجاح، بينما تتحدث الفصائل معا بدون فتح عن حال النجاح. وفي هذه النتقائية القائمة تعسف وخلل وطني.
إن مشكلة ما نحن فيه هو بسبب غياب الشفافية والمكاشفة في علاقة محمود عباس مع الفصائل ، ومع الشعب، ومن ثمة تجد في خطاب الفصائل حذرا وقلقا وتحوطا، وتجد عند الشعب مللا ولا مبالاة. لذا نحن في حاجة الى المكاشفة العاجلة، قبل أن نطرح خطة اليوم التالي للفشل. إن غياب المكاشفة يعني فشل مشروع اليوم التالي ، وعندها يصبح اللوم والشماتة عنوانا، ويصبح التبرير والدفاع عنوانا آخر.