اهتم الإنسان بشغف باكتشاف العالم الخارجي ونسي نفسه، ربما بسبب الصعوبة النوعية، أو ربما لشدة قربها من الذات، فكيف تريد الذات دراسة نفسها بدون إطلالة خارجية، ولكن وعي الذات في الحقيقة هو أرفع أنواع الوعي.
واليوم لا يسعى العلماء فقط لاكتشاف الكوارك في الذرة، ولا خفايا ميكانيكا الكم، أو ولادة النجوم في المجرات، بل يغطسون في اتجاه العالم الداخلي، والنزول على سطح الكوكب الجديد: رأس الإنسان .
الأبحاث العصبية اليوم هي من أكثر الأبحاث إثارةً وسريةً بأعتى من الأبحاث النووية، وارتياد الفضاء، وسبر المحيطات، وفلق البروتون.
وإذا كانت الإثارة العلمية، التي أثارها مجموعة من العلماء في القرن التاسع عشر عن زعم فهم الإنسان بمجرد تأمل وقياس القحف، التي أخذت اسم الفرينولوجيا، فإن علماء (بيولوجيا الجزيئات) يعلوهم هذا الشعور اليوم، ولكن الأيام تعلمنا كل يوم، أن كل النظريات التي تريد تطويق فهم الإنسان تتهاوى تحت قدميه.
بل إن محاولة فهم الكيان المعنوي عند الإنسان قديمة قدم الإنسان ما ينقل لنا التاريخ بعض القصص المثيرة عن الملك فريدريك الثاني، الذي أغلق الحجرة تماماً على محكوم عليهم بالإعدام، ثم حاول بعد موت الضحية، أن يفتح بحذر وبطء كوةً في الجدار، ليرى ماذا يتسرب منها؟ هل ثمة آخر خاص غير البدن الذي عانق الموت.
بل إن عالم النفس الأمريكي ( دانكان مكدوجل ) (DUNCAN MacDougall) قام بتجربةٍ مثيرة أكثر، عندما راقب المحتضرين في سكرات الموت، فقام بحملهم إلى موازين في غاية الدقة، تفرق بين الجرامات، فوصل إلى نتيجة مفادها:
أن الموتى الذين يودعون إلى العالم الآخر، يخسرون من وزنهم في المتوسط بين 10 ـ 42 جراماً، دلالةً على أن شيئاً ما ولو بهذا القدر البسيط يودع الجسم؛ فإذا علمنا علاقة الطاقة بالمادة من خلال معادلة آينشتاين، التي تقول إن المادة والطاقة هما وجهان لحقيقة واحدة، وكانت الروح ثمة طاقة ما فإن الطاقة المتسربة رهيبة للغاية، لأن الطاقة هي تحول المادة مضروبة في سرعة الضوء المضاعفة، أي قوة تسعين ملياراً.
هذا إذا صدقت هذه المزاعم وصمدت للحقيقة، لأن مكدوجل أردف بأن وزن الكلاب لم يتغير في تجاربه، قبل وبعد الموت، ومزاعم مكدوجل حتى الآن لم تكذب تماماً، بل أخرجت هوليوود فيلماً بعنوان «21 جرام».