مازالت النقاشات الإسرائيلية في ذروتها بشأن مدى الاستجابة للضغوط الأمريكية على الكيان العبري للانسحاب من منطقة غور الأردن، بالنظر إلى أن له تبعات ونتائج، عادية يراها بعض الإسرائيليين، وكارثية يراها القطاع الأكبر منهم.
يرى القسم الأول من الإسرائيليين _لاسيما دعاة التسوية مع الفلسطينيين، وشريحة لا بأس بها من الجنرالات وقادة المخابرات في صفوف الاحتياط_ أن التركيز على منطقة الغور ورقة سياسية تستخدمها حكومة اليمين القائمة حاليّاً لإحباط حل الدولتين؛ لأن عدد اليهود الذين يعيشون اليوم في غور الأردن فقط 6042، وهو أقل من عدد الجمهور في أحد الملاعب الرياضية، وسجلت في العشرين سنة الأخيرة زيادة صغيرة على عددهم، وتقف في المعدل على 60 شخصًا كل سنة، ويرى هؤلاء أن كل الكلام عن خط البلدات في الغور الذي يحمي الحدود الشرقية ليس أكثر من دعاية سياسية يمينية مقطوعة عن الواقع.
وعدد الفلسطينيين في منطقة الغور أكبر بـ10 أضعاف، ويبلغ 65 ألف شخص، مع أن الاحتلال نجح على مر السنين بإعلانها "أراضي دولة ومناطق رماية ومحميات طبيعية"، ويستولي على 77.5% منها؛ لأن الغور في الماضي عدّ من جهة أمنية ذخرًا أمنيًّا إستراتيجيًّا للاحتلال.
وقد صيغ هذا التصور العام بعد انتهاء حرب عام 1967م، حينما كان الاحتلال مُعرضًا لتهديد وجودي من الشرق، على هيئة آلاف الجنود والدبابات الذين قد يتجهون إلى قلب أراضي الـ(48).
لكن بعد مرور 46 سنة على تلك الحرب، تغيرت خريطة التهديدات، ولم يعد تهديد القوات المدرعة من الشرق موجودًا، والوسائل التكنولوجية الحديثة تُبطل القدرة على المباغتة، وإذا اضطر جيش الاحتلال يستطيع الوصول إلى كل مكان في غور الأردن خلال نصف ساعة، والدليل على ذلك أن الغور اليوم ليس فارغًا من المستوطنين فقط، بل من كتائب سلاح المشاة والمدرعات.
وأكثر الجنود في الغور مشغولون بمهمات أمن جارٍ على طول الجدار الحدودي، وحراسة المستوطنين، وتفتيش العمال الفلسطينيين عند الحواجز، فإذا اتُخذ القرار السياسي بالتقسيم لتطبيق حل الدولتين؛ يمكن الحفاظ على مستوى أمني يماثل الوضع الحالي بترتيبات أمنية متشددة على الحدود، وإنشاء أماكن مراقبة إلكترونية، ووجود قوات دولية عند المعابر.
والجيش أصبح اليوم يملك وسائل تكنولوجية مختلفة تمامًا، وفي وقت أصبح فيه مع الأردن اتفاق "سلام"، وجرى في العراق تغيير بعيد المدى بعد حرب الخليج الثانية، فأصبح الحديث عن فكرة قديمة بل زائدة لا يرمي إلا لإغضاب من يحاولون التوصل إلى تسوية سياسية، هذا ما يراه الإسرائيليون غير الممانعين للانسحاب من غور الأردن.
في الجهة المقابلة، يطالب الرافضون لأي انسحاب إسرائيلي من غور الأردن بمواجهة الضغوط الأمريكية برفض صارم؛ لأن الدفاع عن هذه المنطقة _برأيهم_ كلما باتت الأسلحة أكثر تطوراً وسرعة أصبح صعباً، ولذلك لا يمكن قبول الكيان العبري أي وجود عسكري غربي نهر الأردن غير جيشه، ما يجعله يسعى للاحتفاظ بخط دفاعي محصن من قوات عسكرية تمكنه من الصمود 48 ساعة حتى الانتهاء من التعبئة العسكرية.
وضم غور الأردن إلى أراضي الـ(48) يحقق للكيان العبري الأمن والاستقرار؛ لأن مناطق دفاعه الحيوية توجد فقط في الغور، ولابدَّ أن يكون تحت سيطرته، وإذا لم تتحقق؛ فإن الأمن لن يتحقق على المدى البعيد، كون منطقة الغور تشكل أكثر من ربع الضفة الغربية، ويحتاج الكيان لمنع هجوم جحافل الجيوش العربية من الشرق الأردني لاستعادتها، وزرعها بـ20 مستوطنة لفرض واقع على الأرض.
وفي حملة رفض هذا الفريق الإسرائيلي المكون بالأساس من وزراء الحكومة الحالية، وبعض جنرالات الاحتياط للانسحاب من الغور يقول: "70-80% من قوة الإنتاج الصناعي الإسرائيلية تتركز على امتداد قطاع ضيق، تسيطر عليه من الشرق هضاب الضفة الغربية، فإذا أخذنا في الحسبان هذه الظروف الجغرافية – الإستراتيجية، وتاريخ العداء لـ(إسرائيل)، وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وتطورات السنوات الأخيرة، والتهديد الإيراني المتزايد والعنف غير المتوقف؛ فإن مخاوفنا ستكون مفهومة".
ويدعو هذا الفريق الذي يشكل عقبة كأداء أمام جهود وزير الخارجية الأمريكي "جون كيري" لإبرام اتفاق الإطار بين السلطة الفلسطينية والاحتلال لضمانات أمنية للكيان العبري، منها:
1- ضمان عمق إستراتيجي أساسي؛ لأن أهميته تكمن في عصر الصواريخ التي تهدد مركز (إسرائيل)، والخطوات المطلوبة للتجنيد، لذلك، يتطلب الأمر توفير عمق أرضي وجوي؛ لنشر القواعد ومنظومات الإنذار والتصدي، ولعمل القوات النظامية للجيش التي ستضطر إلى العمل مدة زمنية محددة حتى تجنيد قوات الاحتياط، ليس لمواجهة القوات المعادية فحسب، بل لإسكات الصواريخ الموجهة إلى الجبهة الداخلية، ويزيد التهديد النووي الذي تشهده المنطقة من الحاجة لعمق إستراتيجي لنشر منظومات الإنذار والتصدي.
2- الحفاظ على عمق دفاعي، يتيح إدارة حرب دفاعية ضد التهديدات الخارجية، فالقول: "إن (إسرائيل) لا تواجه خطراً من الجبهة الشرقية" مرفوض، لأن الحرب الدموية في سوريا لن تنتهي بتدمير أسلحتها الكيميائية، والأردن تعج باللاجئين السوريين، والمعارضة الإسلامية التي تتغذى من عشرات آلاف المسلحين في الجهاد العالمي الذين وصلوا إلى المنطقة، ولما يحدث في غزة ولبنان بعد الانسحاب منهما حتى السنتيمتر الأخير.
3- إن انتشاراً عسكريّاً إسرائيليّاً على الجبهة الشرقية للضفة الغربية يمكنه فقط تحقيق نزع سلاح الكيان الفلسطيني، وهي مسألة تعد أحد الشروط الأساسية للاتفاق القائم على حل الدولتين، لذلك؛ يعد الغور هو الحل الأمثل لتوفير الحد الأدنى من العمق الإستراتيجي المطلوب، وجعل الغور كهضبة الجولان والقدس.
4- أي اتفاق إسرائيلي فلسطيني على الانسحاب من غور الأردن يحمل الكثير من المخاطرة؛ لأنه لا يمكن أن تُحدد مقدمًا المدة التي سيُحتاج فيها لسيطرة عسكرية إسرائيلية عليه، في ضوء عدد من المعايير الميدانية، أهمها:
أ- استقرار الحكم الفلسطيني في الضفة الغربية، ومكافحة الفلسطينيين للعمل المسلح، وتهريب السلاح ونوع التعاون مع (إسرائيل).
ب- مدى استقرار الحكم في الأردن، والتزامها بـ"السلام".
ت- تطور صورة التهديدات القادمة من جهة الشرق، لاسيما من سوريا والعراق.
ث- العلاقات بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس في غزة، والعلاقة بإيران.
يرى هذا الفريق أن كل ذلك جزء من المعايير التي إذا اتفق عليها الطرفان السلطة الفلسطينية والاحتلال، ويشمل ذلك طريقة الفحص عنها وتقويمها؛ يجب أن تكون الأساس الذي تُحدد بموجبه مدة بقاء الاحتلال في غور الأردن.