مناخات الحرية لا نتائج الانتخابات

نشر 20 يناير 2014 | 04:42

بعد الحراك العربي قبل ثلاثة أعوام نادى الجميع بضرورة اتباع الديمقراطية لتعزيز الحريات والحقوق وتنظيم الخلافات , وبعد أن تمت الديمقراطية وجاءت النتائج على غير هوى الدول الكبرى والأنظمة العميقة التي كانت تحكم البلاد , بدأت آلة الدعاية والتسويق السياسي ووسائل الإعلام التابعة لهذه الأنظمة والدول المهيمنة بنشر مفردات غريبة ومسيئة للشعوب : من قبيل أن الديمقراطية لا تعني الانتخابات , والديمقراطية منهج وفكر وممارسة , والشعوب غير واعية وغير متهيئة لممارسة الديمقراطية , وأن انتشار الفقر والجهل والأمية من شأنها إحداث تأثير عكسي على الناخب وتضليله وتخديره بالمعونات والخدمات , وأن الدساتير لا يمكن أن تتم وفق الديمقراطية التي تفرز أغلبية وأقلية, بل يجب أن تكون بالتوافق , وفي ظل هدوء وتنسيق تاميْن بين شرائح المجتمع لأن هذا الدستور سينظم الحياة على مدار سنوات طويلة لمختلف مكونات المجتمع على اختلاف ألوانهم وأديانهم وأعمارهم وحجمهم الانتخابي .

 

هذا ما تابعناه بقوة وكثافة وتركيز في الإعلام المصري على سبيل المثال طوال الفترة الانتقالية بعد ثورة يناير , وعملت العديد من الأطراف على إسقاط دستور 2012 م , وعزل الرئيس مرسي وحل كل مؤسسات الشعب التي نتجت عن الديمقراطية ... بحجة هذه المفاهيم والشعارات .

 

اليوم القائم بالاتصال هو نفسه , والمرجعيات لوسائل الإعلام هي ذاتها , واللافتات الفكرية والجماهيرية لم تتغير , لكن الذي تغير هو المضمون , حيث توقف الترويج لتلك المفاهيم التي بُنيت عليها قرارات إقصائية و تغير في كل منظومة الحكم والقيم , لصالح الترويج لها . فمصر تشهد عدم استقرار سياسي واقتصادي وأمني واجتماعي منذ الثالث من يوليو الماضي , والمشهد متحرك ,وبه قتل واعتقال وتوتر وانقسام وعدم اتفاق ... رغم ذلك تم صياغة دستور جديد تم الترويج له بأنه المنقذ والتاريخي , وتم اعتبار نتائج التصويت عليه إنجازًا غير مسبوق ونجاحًا لخارطة الطريق . ورغم تبديل المفاهيم , ورغم أن المشهد أسود ومعقد ولا يمكن مقارنته بمشهد دستور 2012 م المشطوب، إلا أن الميدان لم يهدأ , والدماء مازالت تسيل , والحرية تبقى في مربع السلب والانتهاك.

 

سهل ويسير على من يملك ويحكم أن ينفذ دستورًا وانتخابات ويفرض نتائجها , لكن هل هذا هو الحل ؟! مصر تحتاج لرؤية أشمل وأوعى لإنهاء الانقسام , ووقف التظاهر والاحتجاج , إنها تحتاج لحوار صادق يضمن حقوق الجميع , ويحافظ على منجزات الثورة . ولا يمكن أن يكون الحل بتمرير دستور مختلف , أو انتخابات رئاسية وبرلمانية ستشهد تعزيز وتكريس انقسام الشعب المصري . من المهم عدم التوقف على شكلية الإجراء بل التعمق في قراءة المواقف والميدان . أليست هذه شعارات التيار العلماني وحلفائه في مصر وفي الإقليم تجاه الديمقراطية ؟!.