(المتقدم عن الصف كالمتأخر عنه )، عبارة تدعو إلى استقامة الصف في الصلاة، لأن في الاستقامة طاعة ومنهجا تتحق به قوة الجماعة ووحدة بنيانها، وتستجلب بها رضا من أحكم شرعه لعباده المؤمنين.
لا تقام صلاة الجماعة بصف مختلف، أو مبعثر، لذا وجب على الإمام رص الصفوف، ودعوة المصلين إلى الاستواء والاستقامة، وإكمال الصف الأول فالذي يليه.
مفهوم العبارة لا يقف عند الصلاة، ولكنه يمتد إلى أبواب العبادات والأعمال الأخرى. ففي باب الثلاثة الذين استقلّوا عبادة النبي صلى الله عليه وسلم ، وقرروا الزيادة عليها بصوم الدهر، وإقامة الليل بلا نوم، وترك النساء، قال الحبيب المعلم صلى الله عليه وسلم : "من رغب عن سنتي فليس مني".
وكما لا يصح التقدم أو التأخر عن الصف في الصلاة، فإنه لا تصح صلاة العبد قبل دخول الوقت، كما لا يصح صيام رمضان في شوال، أو الحج في صفر، لأن لكل مواقيت يجب الالتزام بها.
وفي باب الجهاد تقدم بعض الصحابة على الصف وعلى أمر رسول الله بقرار النصر وهزيمة المشركين ، في غير التوقيت والزمن المناسبين ، فنزلوا عن جبل الرماة مخالفين للأمر وللتوقيت ، فكانوا سببا في هزيمة المسلمين في أحد ، وفي استشهاد سبعين من خيرتهم ، رحمهم الله أجمعين.
نحن في غزة في حاجة لتعمق هذه الدروس وغيرها لأخذ العبرة وتحقيق المصلحة، وعلينا أن نسأل ونحن نتبنى خيار المقاومة طريقا ومنهجا للتحرير وتحقيق مصالح الشعب والأمة: هل نحن الآن في توقيت مناسب لمعركة جديدة مع الاحتلال؟! ربما نحن في حاجة إلى جاهزية دائمة لصد العدوان والاجتياحات، و المعارك المفروضة علينا.
ولكن هل نحن في توقيت مناسب لصناعة معركة مع العدو، بينما عدونا ضيف مرحب به في العديد من العواصم العربية، وربما اتخذته بعض العواصم شريكا لها في مواجهات إقليمية؟. حين تغلق العواصم أبوابها أمام المقاومة، وتتبارى عواصم أخرى في التحريض على المقاومة والنيل من سمعتها وطهارتها، تكون المواقيت غير مناسبة لصناعة معركة، أو للخروج عن التوافق الجماعي، بالتقدم على الصف أو بالتأخر عنه لاستجلاب معركة في توقيت غير مناسب، وفي ظرف عربي وإقليمي، وداخلي غير مواتٍ.
حين تكون العواصم العربية غارقة في معارك داخلية، حيث في العراق معركة، وفي سوريا معركة ثانية، وفي مصر معركة ثالثة، وفي لبنان رابعة، وفي ليبيا خامسة، وفي اليمن سادسة، وفي السودان سابعة، وفي الخليج ثامنة، فإن معركة في غزة هي في هذه الحالة مناسبة لإسرائيل وغير مناسبة لغزة.
قرار التصعيد قد يأتي من العدو لسبب عنده، وهذا لا نقاش فيه، ولكن قرار التصعيد العسكري الصادر عن المقاومة يحتاج إلى التوافق الداخلي، وإلى التوقيت المناسب، مع محضن إقليمي معقول، وإلى جبهة داخلية متماسكة قادرة على الصبر والتحمل.
قد تكون المقاومة في أفضل حالاتها قوة وجاهزية، وهذا أمر تحمد عليه وتشكر، ولكن هذا لا يكفي لأنها في حاجة إلى جبهة داخلية غير منهكة بالحصار ، ولا محاصرة داخليا بمتربصين انتهازيين يحيكون المؤمرات في عواصم قياداتها كارهة للمقاومة وللتيارات الإسلامية، ومتعاونة مع إسرائيل.