قصص الملاحدة

نشر 11 يناير 2014 | 10:13

هذه المرة جاءت قصته من المغرب. همس في أذني محمد صديقي في مدينة الجديدة: أرجوك اقرأ الكتاب ولا تطلع عليه أحداً! لقد أهداني الشاب الملحد -تابع صديقي- كتابه بتوقيع من يده.

 

هذا ما حدثني به صديقي محمد المغربي عن شاب أعلن عن إلحاده ثم هرب إلى سويسرا بعد حصوله على اللجوء السياسي هناك.

الكتاب ليس كبيراً. على الغلاف رقم الرحلة التي أخذته إلى سويسرا. يمتاز الكاتب بالسرد القوي للوقائع، وبسلاسة جيدة، وقصص عجيبة واقعية من الوسط المحيط به وسفر والده إلى ليبيا ثم أخذ العائلة إلى هناك في تفصيلات تشرح ملابسات ما وصل إليه الشاب وما العوامل التي دفعته إلى التمرد على بيئته في صورة انفجارية.

 

أهم مسببات إلحاد هذا الشاب المغربي وجرأته في ذلك هو الوسط المتشدد من حوله فخسروه. شنعوا به عندما اختلف معهم. ضربوه بالحجارة حينما سمعوا بخبره. مدير المدرسة دخل معه في حفلة ملاكمة أوصلته إلى سرير المشفى لمدة ثلاثة أسابيع برضوض ودماء.

 

هذا الشاب -في تقديري المتواضع- كفر بالتخلف وليس بذي العزة والجلال. إنه يذكرني بنيتشه الفيلسوف الألماني وميشيل فوكو الفرنساوي، كل منهما كفر بالمجتمع الألماني والفرنساوي.. كيف؟ نيتشه كفر بالكنيسة. برتراند راسل أصدر كتاباً بعنوان (لماذا لست مسيحياً؟) فلم يقتله أحد أو يضربه على قفاه وجمجمته.

 

في القرآن ليس ثمة خوف أن يؤمن من يؤمن ويكفر من يكفر (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ـ إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ـ لا إكراه في الدين) فهذه قناعات شخصية.

خطأ هذا الشاب هو الاستخفاف والسخرية والهجوم اللاذع، وفي هذه الحالة يقوم المجتمع بالدفاع عن نفسه ولا يسامح.

نفس كلامي هذا سيأتي ويقول جلبي يدافع عن الملاحدة والكفرة! أعرف هذا تماماً. لكنني أدافع عن مبدأ القرآن في حرية الاعتقاد. هذا الجانب انتبه إليه المؤرخ البريطاني توينبي حين قال إن الإسلام كان الأول في التاريخ الذي يسمح للآخر الكافر به أن يبقى على قيد الحياة.

 

هذا الشاب كفر بالبيئة التي عاش فيها أكثر من أنه تحول إلى كافر لا يقيم وزناً لشيء، ولا يعتقد بشيء، فالبيئة المتشددة قلبت الرجل من وضع إلى وضع. من الغريب أنه حفظ القرآن في البداية. بعد ذلك في الظروف المحيطة به نفرته من كل الأوساط الدينية فطلقها وأعلن انفصاله عنها. قرأت الكتاب جيداً وحاولت سبر نفسيته ولماذا وصل إلى ما وصل إليه.

 

الملاحدة الذين اجتمعت بهم في حياتي ليسوا كثيرين، أحدهم من مدينة فان كوفر كندي كردي الأصل هاجر إلى كندا أعجب ببعض مقالاتي فحاول الاتصال بي، وبعد عدد من المناقشات نفض يده مني حين رآني لست ملحداً سمياً مثله فافترقت طرقنا. نموذج آخر هو جيفري لانج أستاذ الرياضيات الأمريكي من سان فرانسيسكو الذي كان مسيحياً ثم ألحد ثم اعتنق الإسلام. يذكر الرجل حالته النفسية مع الإلحاد، قال إنها حالة لا تطاق. الغرب يفرح بأمثال هؤلاء من الملاحدة، وأحياناً وتحت دعوى حرية الرأي يسيئون استخدام حرية الرأي. تزوج هذا الشاب في النهاية لورينا السويسرية التي سماها الملاك الأزرق، فهو يزعم حالياً أنه يدافع عن حقوق الإنسان. الغرب سيشجع عنده نهج العداوة والبغضاء، وقد ينتهي كما حصل مع سيد ملك الغساسنة الذي كفر وهرب إلى ملك الروم ثم بكى فاشتد بكاؤه على هذا القرار المشؤوم.