الناظر في أحوال المنطقة منذ ثلاث سنوات يجد أنها متحركة , وغير ثابتة , ومتقلبة , وككرة الثلج المُتدحرجة , فمن ثورة شعبية على الأنظمة القديمة , إلى الاحتكام للديمقراطية , إلى الانقضاض على نتائج الانتخابات , إلى الانقضاض على الثورة نفسها في بعض المحطات , إلى عدم الاستقرار في بعض بلدان الحراك , إلى جولات سياسية مكوكية على مستوى العالم . يتابع المواطن العربي مصر وتونس ولبيبا واليمن وسوريا ولبنان والعراق وفلسطين , فيجد الدماء , والتدهور الاقتصادي , والفرز الاجتماعي والفكري ... مما ينشر اليأس والحزن في صفوف المواطنين .
لكن التفكير العميق , والقراءة المتأنية , وربط الماضي بالحاضر , يجعلنا نقول إن المنطقة تعيش في حالة غيبوبة , وارتهان وسكون وشلل منذ عقدي خمسينيات وستينيات القرن الماضي , فليس سهلاًأن تترك الأنظمة الجاثمة على صدر الشعوب قيادة الدفة بسهولة , وليس سهلاً على اللوبيات الخارجية أن تترك مصالحها المربوطة بالحكام المعينين منها تنهار فجأة ,إن الجيل الشاب عندما ينتقل من الشباب والمراهقة إلى الرجولة والاستقرار يبقى في حالة عدم استقرار وتقلب وخسارات مادية ومعنوية. لأن التغيير والتطوير والارتقاء ليس مجاناً وليس بلا ثمن , وهكذا الحرية والانعتاق من الاستعمار الداخلي فثمنها الأرواح والأموال والأوقات .
إن منطقتنا بكل مكوناتها تشهد مراحل انتقالية : سواء التي شهدت ثورات جماهيرياً , أم التي شهدت تغيرات سلمية , أم التي شهدت خوفاً أدى لتدخلات استباقية في شئون غيرها بمالها ونفوذها وعلاقاتها الأمنية والعالمية والإقليمية ... هذه المراحل الانتقالية تبدو قاسية ودموية , ويُحيطها عوامل الإفشال والإحباط , الشعوب قررت بثورتها نيل حريتها وإنهاء العبودية للبشر وللظلم , والأنظمة العميقة بدعم خارجي عالمي تستدرك وتفعل كل شيء كي لا تحقق الشعوب حُلمها وأمنياتها وطموحها , هذه مرحلة قد تطول وقد تقصر, لكن النتائج ستكون لصالح إرادة الشعوب , والتي عليها أن تعي جيدا ملامح المنطقة ,والصمود في رفض تشكيل المنطقة بأثواب جديدة بعيداً عنها وعن تطلعاتها .