ظاهرة التكفير تعني أن طرفاً يحكم على طرف آخر منافس أنه حرم من رحمة الله. وهي تأتي من خلال «وهم» مفاده أن صاحبه يملك الحقيقة النهائية المطلقة، وتقود إلى كارثتين: «الانغلاق على النفس» وهو لا يحتاج إلى نصيحة أو تطور أو مراجعة لأنه سقف التطور وآخر الحقيقة وسدرة المنتهى.
والأمر الثاني: بناء طريق أحادي. تماماً كما في طرق سريعة دون عودة فيها؛ فطالما احتكر طرف الحقيقة فإن الطرف المقابل ليس أمامه إلا أن ينصت لهذا الوحي الذي يتدفق على ألسنة كائنات أرضية من بشر مختارين لا يخالطهم النقص أو يقترب منهم الخطأ.
وهذه الخطيئة القاتلة لا تنفرد بها أمة دون أخرى. وظاهرة التكفير وعدم التسامح مع الآخر وإغلاق باب الحوار والاضطهاد والإكراه والنفي من الأرض والقتل والتهجير الجماعي تكررت عند كل الأمم، فالخوارج قديماً، والصهاينة حديثاً، والكنيسة المتعصبة، والإسبان الذين دمروا حضارات الإنكا والأزتيك والنازيون والفاشيون والبعثيون العبثيون، وجماعات التكفير المعاصرة والشيوعية تغرف من نفس النبع، أي اعتبار الآخر مارقاً.
وكلها في النهاية تتحجر وتخسر الرهان في التحدي التاريخي فتتحول إلى مستحاثات. وتستفيد البلاد التي فرت إليها تلك العقول المبدعة عاشقة الحرة؛ فالفاشية أهدت أمريكا إنريكو فيرمي، ومنحت النازية أمريكا آينشتاين. وهرب الهوجنوت من اضطهاد الكاثوليك في فرنسا إلى ألمانيا وهولندا ليبزغ عصر التنوير.
وتنبع خطورة «التكفير» من أنها ليست حركة انعزالية سلبية بل شيطانية عدوانية. والأنظمة القومية تبقى أرحم من الاتجاهات المتدينة المتطرفة لأن الأنظمة القومية تبقي على المخالف ما لم ينازعها كرسي الحكم، فإذا نازعها نزعت روحه. أما الخطأ مع المتشددين فهو الكفر ويجب أن يستتاب صاحبه وإلا قتل.
جاء في كتاب «بجعات برية» للكاتبة يونغ تشانغ تروي عن أمها التي انضمت للحزب الشيوعي أن ماو تسي دونغ أطلق في عام 1957 شعار «لتتفتح مائة زهرة». وكان يعني فتح الباب على مصراعيه من أجل النقد ولأي مستوى قيادي. ولكن الخبيث أوعز في نفس الوقت لمن حوله بشعار مضاد أن «استخرجوا الثعابين من جحورها» وهكذا فكل من مارس النقد أصبح يمينياً متطرفاً وعدواً للثورة يجب التخلص منه، وكانت حصة والدة الكاتبة أن تدل على مائة من اليمينيين المرتدين الكافرين بالثورة، وهم من نفس رفاق الحزب الذين خالفوا الطاغية. وفي مركز الأبحاث في سيشوان كلف رئيس المركز العالم (هاو) أن يقوم بنفس الشيء بتقديم لوائح اليمينيين ذوي الأصول الرديئة. وعندما رفض أصدر ماو أمراً بنقله إلى وظيفة «كنَّاس» في نفس معهده، زيادة في الإذلال. أما هي فقد تم التأكد من طهارتها الحزبية بأن شاركتها غرفتها جاسوسة لعلها نطقت بأحلامها بكلمات ضد الحزب والقائد؟