1- مدخل.
تتفاوت مقاييس العظمة بين أمة وأمة. وهذا من طبيعة الأشياء وهو من طبيعة البشر واختلاف عقائدهم وأفكارهم ومعارفهم وموازينهم. ومع هذا الاختلاف فإن هناك مقاييس مشتركة يلتقي عليها البشر، فالتضحية والشجاعة والثبات والصدق والأمانة والجود والإيثار، لا أتصور أن يختلف فيها أو عليها اثنان وإن اختلفت الأديان. من هنا يلتقي البشر أحياناً على قواسم مشتركة في الثناء على شخص أو تقديره وتوقيره.. ومن هذا المنطلق التقى كثير من الناس على تقدير مانديلا. فقد خدم وطنه. وهذه قيمة إنسانية مشتركة يقدرها الجميع. وقد ضحى وهذه كذلك. وقد ظُلم هو وشعبه، والناس يحبون المظلوم ويتعاطفون معه.
وقلت في حلقتين سابقتين إن ديننا لا يمنعنا من أن نقر لشخص بأنه ضحى لوطنه. وهل في كتب السيرة نغمط أبا طالب وقفته في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم لكونه لم يدخل في الإسلام؟ أم نقر بحقيقة أنه ناصر النبي ووقف إلى جانبه وواساه ودخل مع المسلمين في الحصار في شعب أبي طالب.. ولا نفصل.
وقلت إن هذه القواسم الإنسانية بمثابة جسور تواصل بين الأمم والشعوب والحضارات.. ولسنا حريصين على قطعها والعيش في جزر معزولة عن البشر. وتكلمت عن خطاب القرآن للناس وللإنسان..
ونحن إذ نتحدث عنه لا نتبع العالم ولا نتأثر به ولا نردد وراءهم ولا نزن بميزانهم. فهذا شخص يشبهنا في المظلومية ولا يشبه الغرب الذي اهتم به الآن وظلمه طيلة الزمان. والحديث عن مانديلا مناسبة لتشعب الحديث في أودية كثيرة.
2- ما أعظم طاقات الإنسان!
لقد زود الله الإنسان بقدرات هائلة وطاقات وإمكانات عظيمة، لو عرفها ثم لو استثمرها! ولكنه إما أنه لا يعرف ما أودع فيه، أو يبدده في ما لا يرتقي به، بل إن البعض يسخر هذه الطاقات في الشر والشيطنة.
ولعل من أعظم علوم هذا الزمان اكتشاف طاقات الإنسان وعلم نفسه، وتوظيف هذه المعارف وتسخير هذه الطاقات في البرمجة العقلية والعصبية لهذا الإنسان. ونحن –قطعاً- أولى الناس بالدراسات الإنسانية، والأنثروبولوجية (علم الأنسنة) ولكنا مقصرون لا في هذه العلوم فحسب.. بل في سائر الحقول والعلوم والفنون والميادين والمعارف والبحوث والدراسات. أقول كيف صبر هذا على السجن طيلة ثلاثة عقود إلا قليلاً!؟
صحيح عندنا مَن صبر مثله في سجون اليهود وبعضهم زاد، وفينا مَن أضرب عن الطعام أطول إضراب في التاريخ.. وفينا مَن قدم روحه ولم يهتز.. وفينا نماذج للعظمة الباذخة.. ولكنا مقصرون في تسويق ما عندنا ولفت الأنظار إلى مخزوننا الحضاري.. ونماذجنا البشرية.
باختصار إذا كان هذا الإنسان صمد وصبر وهو على ما هو عليه من عقائد فكيف لو كان على عقيدة التوحيد؟!
ما أعظم ما منح الله لهذا الإنسان، وليس ما زود به الإنسان لمرتبة الخلافة يسيراً بطبيعة الحال. ثم إن الإيمان بقضية عادلة يفجر طاقات الإنسان مزيداً ومزيداً، ثم إذا انطلق من عقيدة سليمة زاد تفجر الطاقات.
ولاحظوا أن إنساننا محروم من هذه المعاني، فقد تفشت قيم المادية والمصلحية والأنانية بدل قيم السمو الإنساني والرفعة والعظمة والتألق الإنساني. وحتى من حملوا هَمّ القضية حولوهم إلى تجار ومستثمرين ومستوزرين وحملة بطاقات ومنتظري ترقيات وتوصيات وتوزيع تركات والتكليف بمهمات.. فدمرنا طاقاتهم في السراب.. وحصاد الهشيم..
مختصر القول: في داخلنا كنوز لو نستخرجها ونسخرها في خدمة قضية عامة عادلة لأنجزنا شيئاً وارتقت وزكت نفوسنا وكسبنا أجراً عظيماً وضربنا المثل للناس وما أحوجهم إلى المثل الأعلى. ومانديلا رجل عرف طاقته ثم استخرجها واستثمرها في قضية عادلة فاحترمه العالم.
3- موقفه من الإسلام والمسلمين.
مما جعلنا نتعاطف مع مانديلا سوى تضحيته وسجنه وتحمله وثقافة التسامح التي نشرها وعمل بها عملياً ولم يرددها لفظياً فقط، أقول سوى هذا كله، زادنا تقديراً للرجل موقفه الإيجابي والمعتدل من الإسلام. فما عرف عنه يوماً أنه وقف من الإسلام موقفاً سلبياً. وللعلم فإن الجالية الإسلامية في جنوب أفريقيا ضخمة متمولة أغلبهم في وضع اقتصادي ممتاز وكبار تجار.
ولا أحدثك عن الحرية الدينية التي يتمتعون بها، وإذا قلت لك إنه كان عندي جولة في مسجدين، قبل المغرب في مسجد، وصلينا المغرب في آخر وبينهما ربما مئة متر والمسجدان غاصان بالمصلين حتى الباب. وزرت كلية شريعة يمولها أحد تجارهم وهي مجاناً في تعليمها والقسم الداخلي وطعامها وشرابها وتدفئتها وكتبها ونشاطاتها وكل ما يلزمها.. ولا أبالغ إن قلت إنها بحجم كلية الشريعة في الجامعة الأردنية ثلاث مرات! ومساجدهم آيات في الجمال والنظافة والهندسة والمرافق.. وفي أول وزارة شكلها مانديلا جعل شريكه في الزنزانة وهو مسلم اسمه عمر، جعله في الوزارة وسلمه إما التربية والتعليم أو وزارة مهمة أخرى.. وإنما أكتب من الذاكرة وقد مضى على زيارتي لهم قرابة خمسة عشر عاماً.
باختصار يظن الناس أن الشعوب الغنية غنية بقيمها وبالعكس يظنون أن الشعوب الفقيرة فقيرة بقيمها وهذا خاطئ جداً. فالشعوب الغنية من أسف فقيرة بقيمها. وما فعلته أمريكا في العراق يندى له جبين الإنسانية إلى يوم الدين.
وقيم التسامح التي عامل بها مانديلا خصومه وخصوم بلده وشعبه ما أحوج الغرب الغني أن يتعلم من هذا الأفريقي البسيط هذه القيم!
4- نموذج للتسامح.
كم يمجد الناس حامل القيم لأننا في زمان قحط ندر فيه من يحملون القيم. ولعل من أهم ما رفع مانديلا في عيون الناس وميزانهم هذه الناحية بالذات. وإذا رأينا ما فعل الصِّرب والكروات بالبوسنيين وهم أوربيون مثلهم، فقط لأنهم خالفوهم العقيدة، وحاولوا أن يعلنوا –كغيرهم- لأنفسهم كياناً، فقامت قائمة الصِّرب فقتلوا أكثر من مئة ألف، والمقابر الجماعية أترعت بها الأرض.. والاغتصاب الجماعي والممنهج حدث ولا حرج! إن المسلمين لم يغتصبوا أرضاً، فهي أرضهم، ولم يقتلوا أحداً، بل هم ضحية القتلة. هذه أوروبا انكشفت في لحظة وإذ بها زيف وعنف. وأفريقيا الفقيرة السوداء تعلم درس التسامح لحضارة حقوق الإنسان! وظل المستعمرون لجنوب أفريقيا الذين قتلوا السود وحبسوهم في أحياء معزولة «جيتوات»، أقول: ظلوا يعيشون في جنوب أفريقيا وكأن شيئاً لم يكن، وظلوا يمارسون تجاراتهم وتنقلهم وإشرافهم على مصانعهم ومزارعهم، وكأنهم أبناء البلاد الأصليون وكأنهم لم يعذبوا أشد العذاب أهلها الأصليين.. إنه درس التسامح الذي علمه السود للبيض. ليس عن ضعة ولا هوان لا. ولكن النفوس الكبيرة.. تترفع عن الانتقام وتطوي صفحة الماضي، وتضرب صفحاً عن الذي جرى..
هذا النموذج وهذا المثال هو الذي جعل مانديلا كبيراً في نظر الناس.. ومقدراً عند جمهرتهم. ويا ليت الانقلابيين في مصر الذين أعلنوا الحداد على مانديلا يتسامحون مع من سرقوا منهم شرعيتهم وقاموا يسجنونهم ويقتلونهم. هذا الفرق. وكما كان أحمد بن حنبل يقول: بيننا وبينكم الجنائز! فمن من كلاب الانقلاب ستخرج له جنازة مهولة مهيبة كمانديلا؟ من منهم سيبكيه الناس كما بكوا مانديلا؟ هل سيذكر التاريخ عدلي غير العادل والحبيب العادلي غير العادل أيضاً؟ هل يذكر التاريخ مبارك أو السيسي إلا بالذي تعلم؟
5- لماذا بالغ الغرب في تمجيد مانديلا؟
واضح أن زعماء الغرب تسابقوا في الإشادة بمانديلا والثناء عليه، وحضر كبار زعماء العالم كأوباما وغيره، حضروا جنازته، على ازدحام أوقاتهم بالواجبات. فما السر في هذا؟ هل هي الإنسانية؟ هل هو التقدير الموضوعي للبشر؟
أعتقد أن الغرب السياسي أبعد ما يكون عن هذه المعاني. ولكن الغرب أراد أن يعطي عن نفسه صورة الإنساني والموضوعي وممجد القيم مستغلاً شخصية مشهورة مجمعاً عليها إنسانياً ليظهر الغرب إنسانيته واهتمامه بالإنسان. وكل هذا من باب العلاقات العامة كما يقولون والدعاية «والبروباجندة» وتحسين صورتهم هم من خلال التمسح بشخصية محبوبة ومقدرة من كل العالم..
ويمكن أن نجد تفسيراً آخر أن الغرب بالذات هو الذي استعمر أفريقيا وامتهن كرامة شعبها، ولا أحدثك عن ملايين الشباب الأفريقي الذين نهبوهم وأفرغوا القارة منهم، ونقلوهم في السفن متاجرين بهم فأعمروا أوروبا وأمريكا واستصلحوا أرضها بهم ومدوا خطوط السكك الحديد فيها بهم، وزرعوا حقول القطن والقصب بهم، وعلى أكتافهم قامت الصناعات التي بنيت عليها نهضتهم الاقتصادية، وهذا الشباب المنهوب من قارته والمهجر منها ثم المميز ضده في أوروبا وأمريكا وفي أفريقيا نفسها، كان يشحن من موانئ جنوب جنوب أفريقيا عند رأس الرجاء الصالح. وكل من زار جنوب أفريقيا حرص على مشاهدة الميناء المقصود والمحبس الذي كانوا يحبسون فيه الشباب بانتظار تسفيرهم ونصفهم كان يموت في الطريق من التجويع والضرب، ومن مات قذفوه في البحر.
هذه أوروبا وهذا تاريخها وهذه أفعالها. ثم صنعت بالبلاد المستعمرة أسوأ صنيع من قتل وتنكيل وسجن ونهب للثروات وتمييز عنصري ضد أصحاب البلاد في بلدانهم وسمى الأوربيون المحتلون لأفريقيا وجنوبها بالذات من ألمان وهولنديين ومن سائر بلدان أوربا كإنجلترا أو باقي دول أوربا، أقول سموا أنفسهم اسماً استفزازياً استبدادياً عدوانياً هو «الأفريكانز Africans» كأنهم هم أصحاب أفريقيا وهم الأصليون فيها وكأن أبناءها مهاجرون فيها أو هبطوا من كوكب آخر أو غزاة محتلون! عجيبة هذه الأوروبا! والآن تتسابق أوروبا وأمريكا التي نهبت وقتلت وأفرغت قارة من شبابها، تتسابق ويتسابق زعماؤها في إظهار الحفاوة بمنديلا تبرئة لساحتهم من تاريخ أسود صنعته أيديهم في القارة السوداء!
وأيضاً لتثبت أوروبا وأمريكا أنها ما زالت هي الميزان وهي من يقيّم ويقوّم بني الإنسان وأن وزنها الحق والقسط وأنها لا تُخسر الميزان مع أن أوروبا وأمريكا هي التطفيف بعينه و»ويل للمطففين» الذين احتقروا مانديلا حياً وعظموا مانديلا وقدروه ميتاً!