الإخوان.. من المنشية إلى المنصورة

نشر 28 ديسمبر 2013 | 08:54

حادثة المنشية وقعت في مدينة الإسكندرية عروس البحر الأبيض المتوسط شمال العاصمة المصرية القاهرة , وسجلها المستوى الرسمي المصري أنها محاولة من جماعة الإخوان المسلمين لاغتيال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر , حيث كانت العلاقات متوترة ومتدهورة بين الجماعة وبين عبد الناصر ... أعقبها حملة استئصال للجماعة , ومنع نشاطها, ومصادرة أموالها , واعتقال رجالها ونسائها , وإعدام قادتها .

 

رغم أن الكثير من الآراء فندت الحادثة واعتبرتها مصطنعة ومدبرة تمهيداً لقرار الاستئصال . واليوم بعد عشرات السنين تتكرر حادثة مشابهة وهي عبارة عن تفجير في مديرية الأمن في مدينة المنصورة المصرية وسط الدلتا شمال شرق العاصمة المصرية القاهرة ... أعقبها قرار الحكومة المصرية القائمة باعتبار الإخوان المسلمين جماعة محظورة في الداخل والخارج , ومصادرة ممتلكاتها , وهي تأتي امتداداً للهجمة على الجماعة الممتدة من ستة شهور , حيث تُفيد الأرقام أن هناك آلاف القتلى , وآلاف الجرحى , وآلاف المعتقلين وأبرزهم القيادة الأولى للجماعة, والسيطرة على أموالها وجمعياتها , والجديد هو الاستهداف الشخصي بمجرد الانتماء.

 

التشابه كبير بين القصتين : فكلتاهما ضد الجماعة , واستندتا إلى قصة مبهمة غير واضحة أعلنت الجماعة براءتها منها , مصدر الفعل والقرار فيهما قادة الجيش المصري , وكلاهما في طور سرقة الإنجازات ,و في إطار الصراع الفكري والسياسي على الهوية , فالفريق السيسي يعتبر نفسه عبد الناصر , والذي يُحرك الأوضاع جزء أساس من رموز تدعي انتسابها للتيار الناصري من باب تصفية حسابات قديمة .

 

إن ما يحدث ليس شأناً مصرياً داخلياً , بل هو تدهور في النسيج العربي كله , وانهيار لمنظومة القيم والعلاقات , وانعدام لفلسفة الخصومة , بل والفجور بها . إنه تحريك لثارات قديمة لا ولن تخدم الشعب المصري ولا الشعب العربي كله . قد نتفهم كمراقبين وكسياسيين عرب قلق الحكومة القائمة على تمرير الدستور الجديد التابع لها بدلاً من دستور 2012 م المُستفتى عليه , لكن كيف نتفهم تطبيق سياسة الغاية تبرر الوسيلة . وهنا نسأل أنحن فعلاً في القرن الحادي والعشرين المنعوت بقرن الحريات وحقوق الإنسان وسيادة القانون ؟! أم هو زمن استحضار لقانون الغاب والاستبداد والإقصاء الذي فرضه الاستعمار الغربي على الأنظمة التي تسلمت منه البلاد العربية ؟!

 

إن جماعة الإخوان المسلمين لا تحتاج لمن يدافع عنها , لكن من الموضوعية أن نسجل أنها من أهم التشكيلات المجتمعية التي أثرت إيجابياً في تنمية الفكر والسلوك في العالم الإسلامي , وساهمت في نهضة الأمة , وهي متغلغلة في كل بيت وكل زقاق وكل قرية وكل مدينة ... وقد تعرضت على مدار عقودها الثمانية لحملات شرسة ولا أخلاقية من التشوية والتصفية الجسدية والإقصاء , وعرفت المشانق والسجون والتشتت والفقر والحرمان...

 

لكن لم تفقد الجماعة دورها , ولم تنحرف عن رسالتها , وفي كل مرة تتراجع كل محاولات الشطب وتتقدم الجماعة , بدليل أن كل المعاناة لم تمنعها من قيادة الثورة العربية الجديدة , وأن كل الانقضاض على هذه الثورة هو رأس التيار الإسلامي في المنطقة الداعم والحاضن للمقاومة الفلسطينية , ووفق هذا الناموس لن تنجح كل محاولات القضاء على الجماعة , وهذه الأساليب المتجددة ضدها ستحقق لها المزيد من الانتشار والذيوع.