انتهى زمن الألقاب والأوسمة

نشر 25 ديسمبر 2013 | 02:54

أستاذة علم شرعي وتخوض في أعراض الناس ولا تترفع عن اتهام الغير بدعوى الرأي!

داعية يتنباهى بحمل مفاتيح الكعبة ولا يأبه لشلال دماء المسلمين الجاري في بلده وبلاد المسلمين وهم أقدس عند الله من الكعبة!

قائد جيش أقسم على الولاء للوطن وحماية الشعب وهو أول من ينتهك حرمتهم!

أستاذ يتوشح بالدرجات والألقاب وفي أقل امتحان يفيض جهالة وعبارات يستحي منها الجهلة!

شيخ يغش ويسرق، إمام يكذب ويتآمر ويدلس!

 

أمثلة وأمثلة ستعجز من يريد العد والتتبع وتصيب من ينظر لفئة من البشر بعين الإعلاء والتشريف بالخيبة الكبيرة، فالبشر لا ينفكون يقيمون الأصنام واليوم هم من لحم ودم كما أقاموها سابقا من تمر وتراب ويحملونها كل آمالهم وطموحاتهم وضعفهم، ويرون فيهم اكتمال نقصهم وقوتهم وتحقيق أحلامهم، ويزداد ضعفهم اذا حاد الصنم أو القدوة، في الحال الأحسن، واقترف ذنبا فيصبح الأتباع غثاء يتقاذفهم صنم جديد أو نموذج يرث من قبله وهم يسلمون له قلوبهم وعقولهم دون رأي أو تفكير كمقبض الباب يملك من يمسكه أن يديره كيفما يشاء، وقد ينقلبون الى التطرف فيكفرون بالأشخاص والمبادئ وينسبون أخطاءهم الى الدين ثم يسيرون على هواهم في دنيا الوحوش المحكومة بشريعة الغاب!

 

لقد جاء الاسلام بتحرير العقل والقلب من التبعية الفكرية والوجدانية بحيث لا يملك عليك أحد سلطانا إلا من خلقك، ولا يكون بينكما واسطة مهما عظم قدرها حتى لو كان رسولا يوحى اليه، وقد سعى رسول الله صل الله عليه وسلم الى ترسيخ هذه الاستقلالية بتأكيد بشريته وتفرده بكونه مبلغا عن الله «قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما الهكم اله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا»، وقال «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله»، وبالغ في التواضع عندما وصف نفسه بأنه ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة، ووقف أبو بكر وهو المحب الأشد لرسول الله ذات الموقف من بلوى التقديس يوم أسكت عمر الذي أراد أن يقتل من يقول بوفاة المصطفى ورد العقول الى نصاب الحق موضحا «من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت».

 

وما بدأ اصطناع التقديس والمنازل والهالات والألقاب الا في عصور الانحطاط الديني الذي أنتج انحطاطا سياسيا وفكريا وأعاد الطبقية الدينية والحياتية والتحالفات الآثمة بين الدين والسياسة التي عرفتها الحضارات والديانات الأخرى لمصلحة الأقلية، وأنتجت بعد ثورة الشعوب عليها طلاقا بائنا بين الدين والسلطة سلمتها لمثالب العلمنة التي أورثت الشعوب عطبا فكريا وأخلاقيا.

 

إن التجرد والاستقلالية الشعورية والعقلية تأتي بإعمال العقل وهي الطريقة التي وصل بها الأعرابي بمنطقه البسيط الى إدراك عظمة الخالق دون وسيط، فقال: «إن البعرة لتدل على البعير وان آثار الأقدام لتدل على المسير فسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدل على اللطيف الخبير؟!» وهي ذات الطريقة التي اتبعها سيدنا ابراهيم عندما عرف أن الكواكب والشمس والقمر كلها تأفل ولا تصلح لتسيير الكون والمخلوقات، بينما تراكم العلم المجرد النظري في رؤوس الكثيرين عربا وأعاجم فأوصلهم أن الطبيعة خلقت نفسها من العدم وأنها تتجه الى العدم وأن الانسان خلق حيوانا على أربع وتطور ليصبح بقامة منتصبة!!

 

إن التجرد يقتضي أن ندرك أن الحق ينتسب الى المبادئ المطلقة لا الى من يطبقونها من البشر، وأن الحق قد يأتي أحيانا من فم عدو مبغض، وقد يضن به شيخ معمم، وهذه الثقة والاطمئنان والأمان التي لا تتأثر بالأخطاء الشخصية لا يصل اليها الا من استطاع أن يفصل الغث عن السمين والزبدة عن الزبد، وكون أن فلانا كان علما في الدعوة أو العمل ثم سقط سقوطا ذريعا لا يغير من نبل الحق والدرب، فسوءة المرء لنفسه وخيره لنفسه والبحر لا يتأثر بمن يلقي فيه حجرا والشمس لا تسد بغربال.

 

يشاع أن صلاح الدين شرب الخمر في صباه ثم تاب فهل يقلل ذلك من اجلالنا له ولجهاده وفتحه بيت المقدس بعد احتلال دموي استمر 89 سنة ثم أخطأ بعدم ترحيلهم تماما والسماح لهم بالبقاء في عكا وصور، فعادوا لقتال المسلمين مرة اخرى، فهل يقلل ذلك من انجازه اذا أحسن ثم اجتهد واخطأ في ذات العمل وكان في ماضيه ما يشرفه وما ينقصه؟ وهل يقلل من حلمنا باستلهام واستنهاض واستنساخ مثل شخصه وسياسته؟

 

سنبقى أسرى يلعب بنا البشر طالما أقمناهم في مقام الاجلال والاتباع الذي لا تخالطه سوءة.

لم يكن الاتباع المطلق لأحد سوى لرسول الله، فقال تعالى «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة»، أما دونه من البشر فحد الاقتداء والتقدير لهم بالهدى «اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده» ونبهنا المصطفى الى أن المغريات في الاتباع في زماننا ستكون كثيرة وستزيد الألقاب من الفنانين والسياسين والشعراء والخطباء الذين يملكون أحيانا مقومات الجاذبية والكاريزما ولكن الحذر من هؤلاء هو الواجب»، ويقال للرجل ما أعقله وما أظرفه وما أجلده وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان»، وقال ايضا «الا ان رحى الاسلام دائرة فدوروا مع الاسلام حيث دار».

 

مع الاسلام، مع المبدأ، ومع من أحسن من المسلمين فقط.. افصل الحق عن أصحابِه تبقى مع الحق ولو حاد عنه أصحابُه.