1- مدخل
هذا رجل يستحق التوقف عند دروس حياته وموته، وصحيح أن عندنا في تاريخنا من الزخم بالأفذاذ والعظماء، ممن نتأسى بهم ما يغنينا عن غيرنا والتطلع لما عندهم، ولكن هذا لا يعني أن ننقطع عن نهر الإنسانية، فنقدر كل ذي مبادئ متميز شريف ولو كان على غير معتقدنا وديننا ومن غير بني قومنا. هذه قواسم إنسانية مشتركة، وكما يتعلمون هم من رموزنا ما الضير أن نتعلم من تاريخهم ورموزهم وكفاحهم، ونضالهم. ومما أوحى بهذا الكلام أن الأستاذ وضاح خنفر مدير «الجزيرة» السابق كتب تغريدة يثني فيها على الرجل وكفاحه فجاءته تغريدات معلقة تتلخص وتدور حول كلمة: «كافر» تريد أن تلغي مثل هذا الحديث فكانت هذه الكلمة.
2- تقدير البطولة والأبطال
الإنسان مفطور على حب البطولة وتقدير الأبطال. ولا نقول ما قال «توماس كارلايل» في كتابه: «البطولة وعبادة الأبطال» فقد شرفنا الله بألا نعبد إلا إياه، ولا تقديس عندنا لأحد إلا القدوس سبحانه، ولكنا نقدر العظمة والقيم والأخلاق والمواقف في أي كان، ما لم يكن محارباً لنا معادياً محاداً، وقد أكرمنا الله بأن عدونا الذي يحاربنا في فلسطيننا مجرد من كل هذه حتى لا نقع في مثل هذا الحرج وعدونا الذي يحاربنا في العراق وأفغانستان أعفانا من هذا الحرج.. فلا حرج أن نتكلم. وقد قال الله تعالى في الكتاب الذي هو الحق والميزان: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين» ولاحظ كلمة «الدين» ما أجمل موقعها، أما القتال على غير الدين فقد يقع حتى بين المسلمين، وما قتال علي ومعاوية والحسين والأمويين؟ والخلفاء المتتابعين والخوارج؟ إنه قتال سياسي لا ديني. أي ليس على الدين لتغييره أو محاربته. ولا نريد أن ندخل في جدل طويل. فهذا أمر يمكن أن يتفرع إلى ما لا نهاية.
هذه فطرة، بالاختصار، أن تقدير الأبطال مقرر في الفطر وراقب الأطفال تعرف الفطرة. على أن أعداء الله استغلوها أبشع استغلال، فقنوات الدولة التي «ترعى الإسلام» و «تراعي أحكامه» تروج لأبطال الحضارة المحاربة لنا. وكما يروي لي من يتابع محطاتهم لا للعبث والتسلية إنما للدراسة والتقاط «تيمة» معروضاتهم أن فيلماً تكرر مرات بعنوان «كتاب إيلي» ملخصه أن الحروب طحنت الحضارة ودمرت من ضمن ما دمرت الكتب، ولم ينج إلا كتاب إيلي (لاحظ أن إيل هي الله بالعبرية) وهذا الكتاب هو الكتاب المقدس وشارة الصليب عليه، وتقوم معركة على اقتناء هذا الكتاب الذي آل إلى شخص واهتدى بقيم الكتاب وغلب كل قوى الشر التي أرادت أن تستلب منه الكتاب وخرج الكتاب وصاحبه منتصرين. إن الذي يشاهد الفيلم سيخرج بإيحاءات وانطباعات وتأثرات فوق ما تتخيلون.. كما وصف لي من دقة التمثيل والإخراج، والإتقان العالي (كأنك في السينما المصرية)!!
وما روجت أمريكا صورتها ورجالها «وأبطالها» إلا من خلال نماذج السينما. وكم شوهوا صورتنا في العراق وأفغانستان وأول من يعرض أفلامهم بهذه «التيمة» من ذكرناهم قبل قليل. طبعاً الحرص على الإسلام شيء وهذا شيء آخر!! ولا «تناقظ» أعني تناقض بالطبع.
نعود إلى موضوعنا تقدير الأبطال حتى لو لم يكونوا من غير أمتنا، طبعاً الأمر يحتاج إلى دقة، فغاندي لا نروج معتقده، ولكن نركز على البعد الإنساني، فمعتقده البقرة أسخف من السخف، لكن موقفه السياسي من المستعمر في منتهى الألق.. صبره، تحمله، مبادرته، قيادته، تحريكه لجموع شعبه، ثورة الملح التي قادها على المستعمر البريطاني، عنزته، ثوبه البسيط، تركه المحاماة التي تعلمها في بريطانيا، ليشتغل بالمحاماة عن قضية بلده وشعبه.. ما الضير في هذا؟ ما الضير أن نقول إنه زعيم أمة قادها إلى التحرر وهي الآن تدرج في هذا الطريق، وأمتنا تتعثر.
لو قلنا عن طاغور إنه شاعر يتردد في شعره صوت الإنسانية والمثل والقيم، ما الضير؟ وأين: إن الحكمة ضالة المؤمن؟!
وأين «قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا..»؟ نحتاج إلى مراجعة تنهي التسيب وتنهي التشنج وبين ذلك تنتقي الأحداث وترتقي بنماذج البطولة والأبطال.
3- جوامع وقواسم مشتركة بيننا
أيها الأعزة. إن أحوالنا لن تتغير ما لم نحمل رسالة للإنسانية. وما لم ننطلق من زنازين التعصب بلا جدوى، إلى آفاق الرحابة والتلاقي مع مشتركاتنا الإنسانية، لا نخاف على ديننا.. ولا نخاف أن نذوب. ونحن مع كل التشنج ذائبون في الآخرين. وأكثر دولنا تشنجاً هي أكثرها تماهياً مع الغرب، الغرب يقول «حلفاؤنا» ويقول: الأشد «تحالفاً». فأين ذهب كل الجمود والتشدد والتشنج، والذي نتحالف معه هو من يقيم دولة العدوان، وهو من يديم تفوقها، ومن يرعى المفاوضات التفريطية.. فما كل هذا الخلط والتناقض؟
إذا جئنا نتكلم عن شخص قضى ومضى وكان بمقاييس الإنسانية نموذجاً في جوانب معينة، وجوانب أخرى لا نتكلم عنها ولا نرضاها، قامت قيامة هؤلاء وتذكروا الكفر والإيمان والمفاصلة والولاء والبراء، وأين كانت غائبة أو مغيبة قبل ذلك؟
يا ليت السيسي الذي «واليناه» ودعمناه يملك مثل موطئ قدم مانديلا في المبادئ والموقف من الإسلام حتى! إن بيننا وبين البشر هموما مشتركة. لاحظوا كيف تسلل اليهود إلى أفريقيا وهم لصوص، وكم رددوا عبارة: ما أشبه دولة إسرائيل في بحثها عن حرية شعبها بالدول الأفريقية. والله لقد سمعتها منهم مرات. فلماذا وأفريقيا كان ينبغي أن تكون قارة الإسلام بلا منازع عجزنا عن كسبها؟ أين الدعوة الإسلامية فيها يا حماة الدين والدعوة؟ لولا جهود فرد اسمه عبد الرحمن السميط ما كانت في أفريقيا دعوة تقريباً حتى لا نبالغ.
نعود إلى القواسم والبحث عنها والانطلاق منها. إن المبادئ الإنسانية جوامع تجمع البشر. ونحن حريصون على هذه الجوامع والقواسم، ولكنا من أسف مولعون بالبحث عن المفارقات والمفرّقات والمبعدات والمنغصات والقواصم!
متى تتعافى الأمة من أمراض التعصب؟ إني أعتبر الحديث عن مانديلا مناسبة لمراجعة شاملة، ومحاولة لتصحيح مسار الفكر ونمط التدين، ونموذج التعصب باسم الدين والانغلاق عن الآخرين باسمه كذلك. وحاشا لدين الإسلام أن يكون كما يصورون انغلاقاً وتحجراً وضيقاً وتعصباً.
إنه تسامح وسماحة وتعاون وتآلف وإنسانية ورحابة واندياح وانسياح في الأرض لنشر النور والخير والفضيلة والقيم والبحث عن المشتركات لتكون منطلقات للتقريب والتحبيب والدعوة..
هذا ديننا فلا تفسدوا علينا جماله وإنسانيته وعظمته وسعته ورحمته..
4- الغرب الذي سجنه أكثر من نعاه
هذه سمة من سمات حضارة النفاق: الحضارة الغربية. هي التي احتلت جل قارة أفريقيا أو كلها ونهبت ثرواتها ونهبت شبابها وقتلت زهرتهم.. هي ذاتها.. هذه الحضارة أو قل إن شئت: الحقارة الغربية، هي التي تتباكى اليوم بحرارة ودموع غزيرة سخاء بسخاء على فقيد الإنسانية «نلسون مانديلا» فمن سجنه قرابة الثلاثين سنة، ومن لفق له التهم لتناسب حجم هذا الحبس الطويل؟ ماذا ارتكب (مانديلا) حتى تصاغ له هذه التلفيقات والاتهامات؟ رجل سلمي بامتياز كثوار مصر الذين قتلوا ووجهت لهم لوائح الاتهام التي ستودي بقسم منهم إلى الإعدام. إنه الإجرام ذاته. أمريكا ورئيسها أول من نعاه من غير شعبه. ثم انهالت التقديرات والشهادات من توني بلير الصهيوني الاستعماري الكبير أو الحقير سيان. ثم هولاند ثم ميركل ثم كل الفرقة من المستعمرين السابقين والحاليين.. هذه هي حضارة النفاق. وهذه ليست أحط مزاياها ففيها من الانحطاط ما لا تحيط به المجلدات.