الشعب مصدر السلطات، وهو مصدر الشرعية. شرعية الحاكم والرئيس في النظم الديمقراطية هي في يد الشعب يمنحها من يشاء، وينزعها ممن يشاء، وله في الحالتين آليات ديمقراطية محددة، تحظى بتوافق شعبي، وحزبي. الشرعية تتشكل من إبرام عقد اجتماعي بين الشعب والفائز بالحكم، وهو عقد محدد بزمن معلوم، لا يجوز تمديده إلا بعقد جديد وانتخابات جديدة، وفي العقد قسم بالالتزام بأداء الحقوق والواجبات.
يمكن تسمية هذا العقد ( بالشرعية الداخلية) ، حين تكون بين الحاكم وشعبه بالانتخابات. في مقابل الشرعية التي تأتي من (الخارج )، حيث يستمد الحاكم شرعية بقائه في الحكم من قوى دولية، أو أنظمة عربية.
في الحالة الفلسطينية كل الفصائل الفلسطينية، بما فيها قطاع من حركة فتح، أجمعت على رفض المفاوضات، ووصفتها ( بالعبثية والضارة). وأجمعت على رفض مقترحات كيري الأمنية والسياسية الأخيرة. وجل الشعب يؤيد موقف الفصائل، ويتمسك بحق العودة، ويعده جوهر القضية الفلسطينية، ويعده حقاً فرديا، لا تفويض فيه. ومن ثمَّ يتعارض موقف الشعب مع موقف محمود عباس بشكل مطلق. فالشعب يرفض التنازل عن حقوقه، وينزع الشرعية مسبقا وقبل التوقيع عن كل قيادة تحاول التوقيع على خطة كيري الأخيرة.
الشعب لا يعرف أسرار المفاوضات، ولا يعرف مضامين الاتفاق الذي يسعى إليه كيري. عباس لا يصارح شعبه، ولا يقول له الحقيقة، ويجري محادثاته مع (إسرائيل) في الخفاء، وهذه نقاط إضافية تضاف إلى رفض الشعب للمفاوضات ولما ينتج عنها.
ولأن عباس يعلم بهذه الحقائق والمواقف علم يقين، تجده يترك الشعب الفلسطيني وشرعيته، ويبحث عن شرعية بديلة من الأنظمة العربية، ومن الجامعة العربية، وهذه المؤسسة لا تمنح الشرعية لأحد، فالشعب اللبناني وحده هو من يمنح الشرعية لرئيس الدولة اللبنانية. والشعب المصري هو فقط الذي يمنح الشرعية لرئيس الجمهورية. الجامعة العربية لا تمنح شرعية لأحد، ولا تسحبها من أحد.
وغني عن القول أن نقول: إن الدول الكبرى لا تمنح الشرعية لأمر، أو لشخص يرفضه الشعب. وحين يشعر الشعب بالقهر الخارجي يثور ويتمرد ويلجأ إلى القوة لاسترداد شرعيته.
كل الرؤساء والحكام يستمدون شرعيتهم القيادية من الشعب، من داخل الوطن، إلا السلطة الفلسطينية فهي تستمد شرعيتها في المفاوضات من (خارج الوطن ومن خارج الشعب الفلسطيني)، أعني من القوى الدولية، ومن الجامعة العربية في أحسن الأحوال. والخارج، مع كل الاحترام، ليس مؤسسة لمنح الشرعية الوطنية لأحد.
يقال في السياسة لمن يستمد شرعيته من الخارج مغتصب للسلطة.
وإذا كانت الشريعة تنكر على من يؤم الناس في الصلاة وهم له كارهون، وهي إمامة لا يترتب عليها ضرر مادي ملموس في الدنيا، فإن الشريعة تنكر من باب الأولى على من يتنكر لعقده مع شعبه، وعلى من يفرط في حق العودة، أو يقبل بخطة كيري الأمنية، أو يبيع شيئا من فلسطين بمال أو براتب، أو بيأس مقعد.