توظيف الزمن 7

نشر 21 ديسمبر 2013 | 09:05

1- مدخل حلقة الختام..

يبدأ الموضوع نقطة فيتشعب حتى يغدو حلقات عديدة ربما تمل وتضجر. وما أردت هذا يعلم الله، لكن نقطة كانت تشد إلى أختها، وأقصى ما توقعت أن يستثمر ثلاث حلقات، فهذه السابعة، ولو أردت لأوصلته إلى عشر، فالحديث ذو شجون لكني أختم قسراً بالسابعة. ولا أعيد ما قلت في المقدمات من أن نواة تخلّق الموضوع كانت النظر في أحوالنا وأحوال عدونا، لم يعربد على منطقة هائلة برمتها ولا نسيطر نحن على بلداننا؟ ولا نملك ثرواتنا؟ فقلت إن من أهم عوامل سيطرته استثمار الزمن وهدرنا له. ثم تشعب الموضوع إلى الزمن في القرآن وذكرنا شواهد له ثم من تجارب الأمم كألمانيا واليابان وغيرهما، فكوريا الجنوبية بدأت بعد مصر بكثير، ومصر تتراجع كل يوم وأولئك يتقدمون كل يوم. لقد غدت فلسطيننا المحتلة أجمل من أوروبا وأكثر تطوراً فمتى نلحق بعدونا بل نسبقه؟ وفي هذه الحلقة سأتحدث بإيجاز مخل عن علمائنا واستثمار الزمن. وعن بعض مقترحات لتحسين أدائنا في موضوع الزمن.

 

2- علماؤنا والمحافظة على الوقت.

هذا موضوع كبير شيق ذو شجون وشؤون. فقد ضرب علماؤنا في هذا المعنى المثل الأعلى. فقد قالوا عن الطبري إمام التفسير والمفسرين وشيخ المفسرين، قالوا عنه إنك لو وزعت ما أنتج من علم على سني عمره لبلغ نصيب اليوم الواحد عشرين صفحة.. وهذا كله من بركة العمر والوقت وحسن استغلال الوقت. وكل ساعة تدخرها تستثمرها في أنفس ما تنفق الأوقات فيه وهو طلب العلم. وإذا كان المؤمن العادي مطلوباً منه أن يكون من الذين هم «عن اللغو معرضون» فكيف العالم؟ ولو دققنا لوجدنا في اليوم والليلة هدراً شديداً للوقت. من هنا اجتهد علماؤنا أن يضعوا منهاج المسلم لليوم والليلة، وأن يضعوا للحياة برنامجاً، أهم ما فيه تنظيم الوقت. فلا زوائد ولا هدر ولا لغو. فحرام أن يضيع في تناول الطعام ساعة من الوقت أو أكثر. أو في مشاهدة مسلسلات بلا هدف ولا طعم ولا معنى ولا مغزى أن تنفق في ذلك أثمن الأوقات.. أو تصرف أوقات في مشاهدة مباريات ويحرصون على متابعتها مباشرة مع أنها مبثوثة وأنت في بيتك بدل أن تدخل في زحام وتأتي من أقصى بلدتك والمواصلات مأزومة وربما قامت خناقات فتعطلت مزيداً.. إنه الوقت رأس المال المبدد المضيع. وجلسات المقاهي التي تستمر حتى ساعات متأخرة من الليل. صور الهدر لا تنتهي. وقد كان «النووي» رحمه الله عليه صورة عالية مشرقة مشرفة لاستثمار الوقت فلا يضيع دقيقة إلا في طلب علم. وكم من العلماء خرج من الدنيا وهو يسأل عن حكم مسألة. وابن حجر من آيات الله في العلم وفي استثمار الوقت. ولا نطيل فهذا موضوع ميسور مكتوب فيه الكتب وراجع كتاب أبي غدة رحمه الله. والجاحظ الذي كان لا ينام الليل وهو يقرأ حتى يصلي الفجر على جلسته. لا نريد أن نصل إلى هذا ولا نستطيع. لكن فتشبهوا.. بهم في استثمار أوقاتهم.

 

ومن أول ما يختصر منه وقت النوم فتكفي ست ساعات وما ادخر من وقت النوم استثمره في طلب العلم.

وفي رمضان بالذات بدل هدر الأوقات في تحضير المأكولات والحلويات لماذا لا تدخر لقراءة الآيات ونختصر الطعام في الضرورات؟ وساعات التسوق الطويلة.. لم لا تختصر؟ وبعض أنواع الطعام يحتاج تحضيرها إلى أوقات طويلة فليقلل منها إلى أقصى حد. الالتفات إلى الأوقات وتوفيرها وتثميرها ليكن شغلنا الشاغل!

 

3- مقترحات لتحسين توظيف الزمن.

لقد تقدم العالم في علم التدريب وتنمية القدرات وتنظيم التفكير والتحكم العصبي وتغيير العادات والسلوك، وراكم خبرات هائلة جداً. ونستطيع أن نقرأ من كتبهم ومن تراثنا ونتعلم ونستفيد.

 

في مدارسنا منذ الرياض والبستان والصفوف الأولى ينبغي أن نبدأ بتعليم الأطفال قيمة الزمن، وأهمية سرعة الإنجاز، لا «الشلفقة» بطبيعة الحال، ولا السلق، ولا «اللهوجة»، ولا الضحك على النفس والآخرين، ونعلمهم كذلك سرعة القراءة، وندربهم عليها تدريباً مكثفاً وحثيثاً حتى تصبح ملكة مستقرة راسخة ثابتة كجزء من شخصياتهم، ومهاراتهم المكتسبة.

 

ونجري المسابقات بكل صورها في مختلف النشاطات الرياضية والعقلية والثقافية والتعاونية.. ونلفتهم دائماً إلى الزمن والإنجاز الكثير والكبير في الزمن اليسير، فهذه هي الفعالية، وهي ما يميز أمة عن أمة. وتميز الإنسان الفعال عن الكلّ الذي «أينما يوجهه لا يأت بخير».

 

إن الحياة تدريب وتمرين. ومن أهم ما ندرب عليه النشء ونمرن عليه الأبناء: موضوع الزمن. وينبغي ألا يكون أبناؤنا في فراغ: «فإذا فرغت فانصب» فالفراغ كما هو معلوم: مفسدة، وأي مفسدة!

 

ولسنا نعني أن نحرمهم متعة الطفولة واللعب، لا بل مع اللعب تعلم وإنجاز وإدراك مبكر لقيمة الزمن وأهمية الوقت وسرعة الإنجاز. والكشافة ومعسكراتها فرصة مهمة لهذا المعنى وأذكر في رحلة حج للجامعة سنة 71 أشرفت عليها ونزلنا منى وكان معنا أساتذة كبار كالزرقا وعمداء كليات وطلبة، فقلت للشباب وقد قسمت العمل بينهم: في نصف ساعة أريد أن تكون الخيام منصوبة والباصات قد فرغت من حمولتها، وأوعية الماء قد ملئت والعشاء قد أعد، وبالفعل سويت أرض منى في محلنا ومهدت الأرض ونصبت الخيام وأنجزت كل المهام في الزمن المضروب، حتى قال بعض العمداء (عميد التجارة) يا ابني إنت تمشيهم كالساعة إزاي؟ (هو مصري). قلت: هذا فضل الله!

 

وفي الدوائر نجري التحسينات على أداء الموظفين ونراقب الجودة وسرعة الإنجاز في معاملات المواطنين. هذا في دوائر الخدمة والمعاملات والإجراءات الروتينية أو البيروقراطية..

 

أما الزراعة والصناعة والتجارة فتحتاج إلى خطط ثورية حقيقية صادقة وإرادة وعزمات وتضافر جهود إن أردنا أن نخرج من وهدة التخلف.. بحيث نلمس في السنوات الخمس القادمة مثلاً تغيراً في صورة الوطن خضرة ونضرة ومساحة مزروعة وزيادة المنزرع من الأرض بالمحاصيل الاستراتيجية كالقمح والذرة والفول والشعير والحمص وعلف الحيوانات..

ينبغي أن نكتفي من زراعتنا وثروتنا الحيوانية والدواجن والبيض بسعر يكون في متناول المواطن.

 

يجب أن يشمر كل مواطن وكل مسؤول وينبغي تجسير هوة عدم الثقة، وهذا غير يسير إن لم تصْدق النوايا وتصدق الإجراءات على الأرض، فلا نريد خطباً عن التغيير والإصلاح والتحسين وإنما نريد خططاً وتنفيذاً..

 

كيف تقدمت تركيا في عشر سنين ما لم تتقدم في سبعين سنة من حكم العلمانيين؟ لم لا تتقدم بلدان العرب؟

يجب أن تتحرر إرادتنا السياسية ولا نظل رهن اعتقال أوامر الخارج والبنك الدولي وصندوق النقد ونادي لندن ونادي باريس..إلخ.

إن الارتهان لهؤلاء يحول بيننا وبين النهوض. نحن في سباق مع الزمن كما يقال. والمسألة حياة أو موت بلا مبالغة. فلا ندري إذا أصبح فائض القوة عند الصهاينة أضعاف ما هو عليه الآن وفائض الضعف عندنا أصبح مطمعاً فينا وبنا ومغرياً بالتمادي والتطاول علينا، فما نصنع؟ إن واقعنا لا يغري باحترامنا بل يغري بالتهامنا فمتى نستيقظ ونصحو قبل أن توقظنا قوارع الفقر والمديونية التي تفجر سخط الداخل أو قوارع الطامعين في الخارج؟

 

وأرى أن تستصلح الأرض وأن تستزرع وقبل ذلك توزع الأرض بين عمان ومعان مثلاً على خريجي الزراعة عشرة دونمات وعشرين لكل فرد على أن تستصلح وتخضر خلال 3 سنوات، فإن فعل ملكها وإلا نزعت منه. وبالحصاد المائي نوفر الماء وبالسدود البسيطة نطور زراعتنا..

 

وأعتز بأني كنت أول من طرح فكرة نحو أردن أخضر سنة 90 في مهرجان جماهيري في مأدبا واقترحت زراعة المليون شجرة الأولى ثم الثانية وتوظف طاقات طلاب المدارس في ذلك. والأفكار لا تنتهي فاستمعوا للشعب ونفذوا إن أردتم أن تنقذوا عالمنا العربي وبلداننا بلداً بلداً. وإلا فالقارعة.

 

ووالله لو فتحتم المجال وعقدتم العزم وأحييتم الآمال ثم قلتم للأمة أمدونا بالمقترحات والأفكار لجاءكم من المشاريع ما لا يخطر ببال.. ولأسهمت كل الأجيال في بناء وطنها ونهضة شعبها.. ولكن.. أمحال ما نقول؟! أخيال وضلال؟ لم حوله عدونا إلى واقع وربى عليه الأجيال؟

 

وبعد فأرجو ألا أكون أضعت وقتكم في موضوع توظيف الوقت وهدرت الزمن ولم أقدم شيئاً في موضوع توظيف الزمن. وسلام على الأمة في من عقدوا العزم أن يحيوا وأن يتقدموا.. وأن يكون عنوان ذلك: توظيف الزمن.