إن الواقعية في تحديد الأهداف من الزواج وتكوين الأسرة يمكن الزوجين من قياس نجاحاتهما وتقييم إنجازهما؛ فالكثيرون يملكون الحلم في البداية ثم تأخذهم دوامة الحياة، يريدون تربية مثالية لأولادهم ويريدون ويريدون ثم لا يصبحون أكثر من جيب معيل أو آمر ناهٍ، وتغدو حتى الأسر التي نشأت على رسالة في أولها مثل أسر غايب الطوشة، أو باب النجار، آباء وأمهات يغدقون العلم والتربية والحنان في الخارج، وأولادهم يتسولون، هذا كله من الأصدقاء أو الإعلام الذي أصبح يضر أكثر مما ينفع، وهذا الأثم بذاته الذي ذكر في الحديث «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول» وإعالة القلب والمشاعر أهم أحيانا من إعالة الجسد، وما عقوق ابن الا وربما قد سبقه عقوق أب له؛ لذا جاء في الحديث «أعينوا أولادكم على بركم فمن شاء استخرج العقوق من ولده» فالأسرة صاحبة الرسالة هي مشروع مستدام كالرصيد في البنك يحتاج الى تغذية دائمة ومتابعة ليزيد وينمو، فمعنى الأسرة يدخل في معنى الأسر أي إن أسرة الشخص تأسر لبه وتأخذ بمجامع قلبه وجوارحه ويرى فيها مشروعا يخرج من ذاته الضيقة في الازدياد والخلود والأنس الى مشروع أعظم بعمارة الأرض وتعبيد الناس لربهم.
وأدوار الأسرة المسلمة مشابهة لدور الأسرة في كل مكان وما يفرق هو النية والتوجيه والاستمرارية؛ فالأسرة مطالبة بأن تقوم بدور التربية الروحية والجسدية والاجتماعية لأولادها، وتبدأ الأعمال من اللحظة الأولى حتى قبل الوعي، وما سنة الأذان في أذن الطفل وتحنيكه وتسميته باسم حسن وقص شعره وذبح العقيقة عنه الا أعمال مخصوصة؛ وكأن الأبوين يزرعان في الولد بعد فطرة الله له على الدين أول غراس التربية بالأذان، حتى بالرغم من عدم اكتمال بعض حواسه؛ لأن الدين اكتساب بالتربية كما هو فطرة بالخلق كما جاء في الحديث، ثم يؤخذ بالقرآن والصلاة في سن مبكرة، ثم يعلم سنن الفطرة ويفرق بين الأخوة في المضاجع الخ من المهام التي يجب أن تفطن اليها كل أسرة، كما تفطن لمواعيد الأكل والشرب والنوم والمراجعات الصحية، وما تعليم رسول الله للأطفال لعيون الأحاديث النبوية كمثل حديث «احفظ الله يحفظك» الذي علمه لابن عباس وهو غلام الا درس لنا أن هذا الغلام هو رجل المستقبل، والاستثمار في تربيته صغيرا هو استثمار بمستقبل الأمة في قابل الأيام.
إن أعداء الأمة الاسلامية لم يستطيعوا النفاذ لها بالاحتلال العسكري الذي أخرجناه «ظاهريا» من معظم بلادنا، كما أن الحروب أصبحت باهظة التكلفة اقتصاديا وانسانيا، فكان الحل الأسهل هو استهداف الأسرة، ولا فرق بين ضرب المجتمع بالصواريخ والقنابل وضربه باستهداف الأسرة فيه؛ فالأسرة هي اللبنة الأساسية في البناء وهي الدرع الحصينة كما جاء في تعريفها اللغوي، أما تعريفها الوظيفي فهي تحصن الأفراد فيها وتحصن وتقوي المجتمع لبناء نفسه ومواجهة أعدائه، لذا كان أقوى شياطين الجن من يفرق بين المرء وزوجه ويهدم الأسرة، وكذا أيضا من يفعل ذلك من شياطين الأنس، وان لم نتعظ بأقوال علمائنا فلعلنا نتنبه الى تحذير علماء الغرب ممن ذاقوا الحصرم بسبب بعدهم عن المبادئ؛ فقد قال المؤرخ الألماني شبنجلر أن الحضارات تتدمر وتنهدم اذا ضاعت الأسرة وضاعت الفضيلة من المجتمع، والأسرة اذا أهملت دورها أصبحت وبالا وسلاحا ضد المجتمع، وهذا مصداق قول الله تعالى «يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم» «إنما أموالكم وأولادكم فتنة».
«اشتقت إلى أن أتزوج» هذا عنوان القصة التي تروى عن زواج وهداية العابد مالك بن دينار وهي تحمل معاني إيجابية تذكر بعاطفة جموح، يتبعها عمل طموح وعزيمة متجددة ومراجعة مستمرة لبناء يبدأ بعقد رباني لمن أدرك قدسيته ومعناه وثقله، وينتهي أو يستمر بالأحرى للوصول الى نقطة «والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم»، الشوق الى هذه النهاية في جنات عدن هوما يجب أن يحدونا كأزواج وأباء وأمهات في مرحلة البداية، ويصبرنا عند العنت، ويذكرنا بعظيم الأجر، ويحيل الحياة من عادة تجلب السأم والملل وضيق الخلق الى عبادة ترقق القلب وتفتح الأفق، وتحسن العمل، فنجد أم الدرداء لا تكتفي بأسرتها في الدنيا بل تدعو الله قائلة «اللهم ان أبا الدرداء خطبني فتزوجني في الدنيا اللهم اني أخطبه اليك وأسألك أن تزوجنيه في الجنة».