الحياة السرية للفلاسفة

نشر 10 ديسمبر 2013 | 09:03

ليس كل ماقاله الفلاسفة عدلاً ولا طبيعة الحياة التي عاشوها رحمة وسكناً، وصاحبنا روسو الفرنساوي تبنى أشد الآراء تطرفاً، ومن آرائه المتطرفة ما تبنته النظريات الفوضوية والشيوعية في نقض بنيان الدولة لأنها سبب كل فساد. وعندما عثر على صبي أفيرون الوحشي من الغابة، وكان غلاماً قد أهمل وترك للغابة يعيش فيها، استطاع أن ينجو من الموت، وخرج قوياً كالحيوانات لا يعرف البرد والمطر والمرض؛ فقال عنه روسو: انظروا إلى الطبيعة كيف تفعل بالإنسان؟ وانظروا إلى الحضارة ماذا تفعل بالإنسان؟ حينما تسلب منه كل مقاومة بدنية وكل فضيلة غريزية وكل نور فطري؟ فليس من المدنية والحضارة سوى إفساد الإنسان وتلويث البيئة والحروب وإفساد الصحة العامة.

 

وفي الواقع فإن قسماً من كلامه صحيح، ولكن ولادة المجتمع لم تكن برغبة من الإنسان بقدر الضرورة لذلك، ولولا المجتمع الفرنسي لم يتطور نفس روسو إلى رتبة الفلاسفة بجدارة، ويكتب ما يكتب في التربية، ويصلنا هذا بعد موته بمئات السنوات.

ولد روسو عام 1712 في مدينة جنيف بسويسرا. ولم يكن ذلك الرجل الملتزم بعائلة وحياة مستقرة؛ بل عاش حياة بوهيمية ذكرها بالتفصيل في كتابه الاعترافات.

 

قرأت الكتاب فتعجبت من كثرة تنقله بين أحضان النساء بقدر سياحته في عالم الأفكار، وبقي يتنقل من حضن امرأة لأخرى وأنجب من الأولى (تيريز ليفاسير) خمسة أبناء غير شرعيين أودعهم جميعاً ملاجىء الأطفال. وقصته تذكر بالفيلسوف المصري عبدالرحمن بدوي، كما جاءت في سيرته الذاتية، فعاشر نساء مختلفات، والتقط منهن اللسان فأتقن نصف درزن من اللغات، ولم يرتبط بزواج على الرغم من مناشدتهن، وبكى عليهن في شيخوخته. فهذا من جنون الفلاسفة.

 

مات روسو في نهاية حياته مكتئباً حزيناً بسبب نفور الناس من أفكاره من جهة، والاضطهاد السياسي من جهة ثانية، والأنظمة الشمولية تستل الروح وتقتل الأمة قتلاً فلا يصبر عليها المفكرون، ويرحلون تاركين كل شيء خلف ظهورهم ولا يلتفت منهم أحد، ويتركون المجتمع لمصرع أكيد، وهذا الذي كان من خبر الثورة الفرنسية، التي حملت رؤوس الطبقة الأرستقراطية إلى المقصلة فطارت طيراناً، أشبه بمكان قطع رقاب الدجاج، ومات روسو عام 1778 قبل اندلاع الثورة بـ 11 عاماً فكان لها نذيراً وبشيراً.