1- مدخل.
الزمن ثروة عندنا مهدورة مع مفارقة أن كتابنا أعظم كتاب نبه للزمن بل أقسم بالزمن ليلفتنا إلى قيمته وأهميته وعظمته وعظمة هذه الفرصة المعطاة لنا وهي العمر والتي سيكون الندم عليها شديداً حتى إن أول أمنية عند معاينة الآخرة هي «رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً» «يا ليتنا نرد..» ..الخ.
وكان المنطلق لهذا الحديث من كون عدونا يوظف الزمن حتى إنه فجر قنبلته الذرية قبل أكثر من نصف قرن، واكتفي من القمح مع أن أمريكا أمه.. وظللنا نحن في أودية التخلف. ومن هذا انتقلنا إلى قصص القرآن وقصة الملك سليمان الذي سخر له طاقات الإنسان والجان واستثمر في المكان والزمان ومات واقفاً في الميدان وقال القرآن عن ملكه: «ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي» وقد استثمر معادن الأرض وأذيب له النحاس «وأسلنا له عين القطر» وسخر طاقة الرياح.. ثم الزمن في قصة يوسف وكيف أنقذ مصر. والآن الحديث عن الزمن عندنا وعند غيرنا.
2- الزمن بين حضارتين.
تعبّر الحضارة الغربية عن قيمة الزمن بطريقتها ومقاييسها وقيمها وموازينها فتقول: «الزمن هو السلعة الوحيدة التي يمكن أن تشترى بالمال أو بكل ذهب الأرض» وتقول: «الوقت أو الزمن ثروة أو مال» «TIME IS MONEY».
وتقول العرب في جاهليتها: «الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك» وهو كلام غامض لئن كان كلام الغرب مادياً. ونبهت العرب إلى الزمن بطريقتها وضربت فيه وله وبه الأمثال.. فشبهت الليل والنهار بجبلين ينشلان الماء من بئر حتى يفرغاه. وشبهته بفأر يقضم حبلاً فكل يوم يقطع منه شيئاً حتى يأتي على العمر بأجمعه وقالت فيه وقالت..
وتقول العرب: دار الزمان واستدار الزمان وتقول جار الزمان وهو لا يجور لأنه لا يجور «ولكن الناس أنفسهم يظلمون» وتقول: «بكيت زماناً» وتقول: صرْف الزمن وصروفه. وتعبر بالدهر أحياناً فتقول «صروف الدهر» كما قالت العرب وذكره القرآن «وما يهلكنا إلا الدهر»
قال العبادي الجاهلي:
عصف الدهر بهم فانقرضوا
وكذاك الدهر حال بعد حال.
ومما قال الأعشى:
ومر الليالي كل وقت وساعة
يزعزعن ملكاً أو يباعدن دانيا
وقال ابن الحاجب:
كتب الليالي في ذراها أسطراً
بيد البلى وأناملِ الحَدثان
ويعبر عنها بالحادثات والأيام.
وقال الكلبي: ألم تر أن الدهر أودى بتبع.. إلخ
والكلام في هذا لا ينتهي..
وقال الأفوه الأودي: «وحياة المرء ثوب مستعار»
وقيل:
رأيت الدهر مختلفاً يدور
فلا حزن يدوم ولا سرور
وقد بنت الملوك بها قصوراً
فلم تبق الملوك ولا القصور
أما الإسلام العظيم فقال لك: الوقت هو أنت. الوقت هو الحياة. الوقت نهر في صحراء العمر ومطلوب منك أن تخضر هذه الصحراء باستثمار ماء الحياة أي ساعات العمر في عمل الصالحات. والوقت هو الزمن المتاح لك في قاعة الامتحان الكبرى هذا الوجود، والأسئلة كثيرة لا تحتمل إضاعة الزمن. الوقت هو الذي ستحاسب عن كل ثانية منه. «أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق». الوقت ركن الحضارة من بين عدة أركان تقوم عليها الحضارة. وأهمها بالطبع: الإنسان، فهو عمود الحضارة وعمادها. أما الركن الثاني فهو ما به يقوم الإنسان، ولا يقوم الإنسان إلا بمنهج السماء. وكذب جوليان هكسلي عندما قال: Man stands alone«الإنسان يقوم وحده» وهو عنوان كتابه. هذا الخليفة لا دستور ينظم وجوده في هذه الأرض إلا دستور من خلقه لأنه الأعلم به والأرحم به والأعلم بما يسعده ويصلحه.
والركن الثالث: الكون وما فيه من آيات وكنوز ومذخورات وطاقات ولا بلد فقير بهذه الطاقات، لو وجدت من ينظمها ويستغلها. ولا بلد تنعدم فيه الموارد أو يعاني من شحها إن وظف قدرات الإنسان، ولعل اليابان صنعت معجزة من حيث شح الموارد في جزرها لكنها الآن من الاقتصادات الأولى في العالم لأنها أحسنت توظيف الوقت توظيفاً فعالاً بأقصى الإمكان فتقدمت وازدهرت. وصارت بلدان التعطل في دول العربان تنتظر رفدها ومددها. وأوتينا نحن ثلث نفط الأرض وما انتفعنا فنحن أفقر الشعوب. وصدق من قال: «وأخو الجهالة دائماً مغبون»
والركن الرابع الوقت ولا شك. والخامس العمل. ولا نفصّل.
يكفي أن أعود إلى قصة داود لتسمع كلمة «العمل» تتردد في سطور القصة مرات، واقرأ عن داود وابنه بعده: «أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحاً إني بما تعلمون بصير» وبعد سطرين قال عن سليمان وتسخير الجان: «ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه» «يعملون له ما يشاء..» «واعملوا آل داود شكراً»
وهذا مشهد الختام: موت سليمان واقفاً في ميدان العمل والإنجاز: «فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين».
والعالم حاضره وغابره شواهد ماثلة للعيان ودروس يتعلم منها ويستفيد كل إنسان. فألمانيا طحنتها الحرب العالمية الثانية ودمرتها تدميراً حتى ظن أن لن تقوم لها قائمة.. لقد عاشت تحت القصف سنين عدداً لا تقل عن ست سنوات وقتلت الحرب الملايين من الجنود هم زهرة شبابها وقوى الإنتاج فيها. وكذا اليابان بالطبع بعد قنبلتي ناجازاكي وهيروشيما اللتين دمرتا البنية الصناعية في اليابان.
نعود لألمانيا هل استجدت الطحين من الأمم المتحدة؟ صحيح أن خطة مارشال أمدتهم ببعض الإمداد لكن الأهم من هذا أن الشعب صمم على الوقوف على قدميه والنهوض من كبوته التي لم يعتبرها كبوة الموت، أو سقطة النهاية. لقد نظموا أنفسهم فصاروا يوزعون الخبز رغيفاً في اليوم لكل مواطن وبدأت الخطط وبدأت السواعد وبدأت المصانع تدور، وإذ بهم في بضع سنين ينافسون على المراتب الأولى في الاقتصاد العالمي، والآن بعد أن وحدوا بلدهم غدا اقتصادهم الأول في أوروبا ومن الاقتصادات الأولى في العالم. وأين يقف العالم العربي في العالم؟ لا أريد أن نفقد اليقين ولكنا نبحث عن تفسير. لماذا تريليوناتنا مكدسة في بنوك الغرب يملكها أشخاص فيتقدم بها الغرب وتخرب بلداننا؟ متى يتغير هذا الواقع البئيس؟
3- فكرة الخلود.
الإنسان الفرد والأمم والحضارات كل ذلك مفطور على: حب الخلود وحب البقاء والدوام. وأنّى هذا؟! ألم تر أن إبليس احتال على آدم من هذا الباب: «هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى». أما الأمم فكما قال الجاحظ وأنقله من الذاكرة بالمعنى بالطبع: «كل أمة مولعة بتخليد نفسها فالفرس خلدوا أنفسهم بالنار والخورنق وإيوان كسرى والروم بالنحت والتماثيل.. والفراعنة بالأهرام والعرب بالقول والكلمة شعراً ونثراً» أ.هـ. ولما كان الخلد في الدنيا غير متاح وإن تعلق به البعض كما قال القرآن عن اليهود: «يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر» أقول إن ما لا يدرك في هذه الأرض يدرك في الآخرة فالسعيد من حقق فكرة الخلود عنده بالتجارة في العمل الصالح والادخار في بنك الآخرة.. أما الدنيا فإن الله يخاطب أعظم الخلق بقوله: «إنك ميت وإنهم ميتون» ويقول له: «وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون» والحديث في هذا يطول فنكتفي بما قيل. وأختم هذه الحلقة بكلمات لشيخنا فضل عباس رحمه الله.
4- الوقت والمراقبة.
وتحت عنوان: «الإشراف على الأعمال بطول الرعاية» كتب الدكتور فضل عباس رحمه الله في كتابه القيم: «خماسيات مختارة في تهذيب النفس الأمارة» ص575.
«ومعنى هذا أن العبد يراقب عمله، بطول الرعاية، حتى لا يتسرب الشيطان لجزء منه ليفسده، وحتى لا يتدخل هوى النفس في أثناء عمل من هذه الأعمال، لتبطله وتغيره، كالذي يسير في طريق آمن ثم يعنّ له بعد ذلك وهو في منتصف الطريق أن يسلك في بعض الشعاب فتختلف به السبل، فيخرج إلى طريق موحش. وقد قال الله «ولا تبطلوا أعمالكم» لذلك كان لا بد من الإشراف على العمل بطول الرعاية، والرعاية أن تستغرق أوقاتك في مراقبة عملك وأن تكون حذراً في كل لحظة من لحظات حياتك.
تصور أنك تعمل عملاً دقيقاً إذا أهملته لحظة فسد، ولتتصور امرأة نفسها تضع طعاماً على النار فإذا أهملته لحظة أفسدته النار، إنها تديم المراقبة حتى لا تفسد طعامها.
وإذا كانت هذه مراقبتنا لأعمالنا الخاصة بالدنيا فكيف بمراقبتنا لأعمالنا التي نقوم بها من أجل الله؟ ينبغي أن تكون أكثر مراقبة» أ.هـ