نار في غزة ودماء في سديروت ' هكذا صرخ العنوان التحريضي الوقح من يوم أمس الأول الأربعاء في صحيفة ' يديعوت احرونوت ' على خلفية صورة لسيدة يهودية من المدينة اسمها ' جئوت اراغون ' أصيبت بشظايا صاروخ ، جاء على حسب أقوال مطلقيه ردا على المجزرة الإسرائيلية التي شهدها حي الزيتون في غزة والتي أوقعت ثمانية عشر شهيدا يوم الثلاثاء .
ولا شك أن مثل هذا العنوان التضليلي لا يمكن أن يصدر إلا عن مثل العقلية السادية المريضة التي فكرت به وعن العقلية السادية المجرمة التي قررت ونفذت وما تزال تخطط للمجازر بحق أبناء شعبنا الفلسطيني ، فالنار في غزة يوحي وكأن هناك قوتين متكافئتين تتحاربان ، وان هناك حربا بين جيشين ندين يملك كل منهما العدة والعتاد الكفيل بان يقف احدهما أمام الآخر بنفس موازين القوى في مدينة محصنة تملك كل أسباب القوة والمعدات العسكرية ، ودماء في سديروت يوحي بان هناك عملية إجرامية حدثت في هذه المدينة المسالمة التي لا تملك من أسباب القوة شيئا وأدت هذه العملية إلى جريان الدماء فيها علما أن الحديث يدور عن السيدة المذكورة التي نشر الإعلام الإسرائيلي صورتها وبعض الدماء تغطي جزءا من وجهها - ربما أصيبت بجرح أو خدش في رأسها من يدري ، فنحن امام اعلام منحاز وكذاب ومعاد وسافل.
أما القتلى الذين استشهدوا في غزة وهم 18 شهيدا إضافة إلى عشرات الجرحى فهؤلاء ليس لهم دماء وليس لهم كيان وليسوا من الإنسانية في شيء في نظر هذا الإعلام المضلل والمحرض والسافل ، هؤلاء الشهداء وصلوا إلى المشافي هم ومن تبعهم ومن سبقهم أشلاء ممزقة نتيجة قنابل وصواريخ الاحتلال اللعين الخارج عن كل شرعية سوى شرعية إرهاب الآمنين الذين احتل أرضهم في بيوتهم .
والحديث بالحديث يذكر ففي مطلع الأسبوع الجاري صرح رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلي أن قوات ' الأمن ' الإسرائيلي قد قتلت في العامين الأخيرين ألف فلسطيني هم خمس ' المخربين ' على حد تعبيره الذين تسعى قوات أمنه إلى تصفيتهم أي انه ما يزال يخطط لاغتال أربعة آلاف فلسطيني في قطاع غزة والمجزرة أعلاه التي نفذتها قوات أمنه أتت بعد يومين فقط من هذه التصريحات.
هذا فيما يتعلق بتصريحات ديسكين أما على الطرف الآخر ، فان اجتماعا لجولة أخرى من المفاوضات العبثية ضمت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني وأبو العلاء احمد قريع رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض قد عقد قبل المجزرة بيوم واحد وقد بدأ البحث فيما يطلق عليه مفاوضات المرحلة النهائية ، وبغض النظر عن القناعات المختلفة في الساحة الفلسطينية بشأن المفاوضات أو المقاومة فان شيئا واحدا الآن كان وما يزال يتوجب على الرئاسة الفلسطينية ووفدها المفاوض فعله وهو وقف المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي حالا والإعلان عن فقدان الشريك الإسرائيلي لمفاوضات السلام ، نعم هكذا ، والانضمام المباشر إلى الشعب وخياراته وبدء مفاوضات جدية ومباشرة بين حركتي فتح وحماس لمواجهة العدوان القذر الذي تشنه المؤسسة الإسرائيلية على أهلنا في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة ، فمدينة نابلس ما تزال تشهد اقتحامات إسرائيلية يومية ، وبلدة قباطية ما تزال جراحها تنزف وبقية المدن والمناطق الفلسطينية في الضفة الغربية ما تزال تعاني من ممارسات هذا الاحتلال القذر الذي يمارس إرهابه اليومي بحق الأهل الفلسطينيين .
والحقيقة أن المجزرة التي شهدها حي الزيتون في غزة يوم الثلاثاء الأخير والتي أوقعت 18 شهيدا هي استمرار لمجازر يومية يشهدها القطاع توقع يوميا ثلاثة شهداء أو اثنين أو أكثر من ذلك للأسف بدأنا نتعامل نعهم كأرقام - ، وهي استمرار للمجزرة اليومية التي يعاني منها القطاع عبر الحصار الظالم المفروض عليه لدرجة أن وزير الصحة في حكومة رئيس الوزراء هنية الدكتور باسم نعيم قد أطلق صرخة مدوية يوم الثلاثاء لا ادري أيَّ الأذان وصلت قال عبرها أن الحصار على القطاع قد وصل حدا لا يجدون معه توفير الأكفان لتغطية جثث شهداء المجزرة الإسرائيلية البشعة من اليوم نفسه .
وفي الوقت الذي كان السيد باسم نعيم يطلق هذه الصيحة المؤلمة التي تستدعي كل حر شريف أبيّ أن يهب لنجدة إنسانيته المنتهكة في القطاع عبر المساعدة في توفير الغذاء والكساء والدواء كان جورج بوش الذي أعطى إشارة البدء لتنفيذ هذه المجزرة يرقص رقصة ' العرضة في السعودية وهو يمتشق سيفا عربيا أصيلا ورقصة ' العرضة ' هذه حسب العادات العربية البدوية لا يرقصها إلا العرب أصحاب الأصل والحسب والنسب ، ويعتبر تقليد بوش السيف ومشاركته هذه الرقصة تعميدا عربيا له واعترافا له بصفاء أصله وحسبه ونسبه ( مجازا واحتراما ) أما البوش فانه إنما كان يلوح بهذا السيف وغيره من السيوف التي امتشقها في جولة الخليج والصقور التي جلست على كتفه بوجه الأمة العربية والإسلامية ويهددها بالموت الزؤام وقطع الرؤوس وإعمال القتل والدمار فيمن يخالف أوامره ، فعجبي الشديد كيف قلدوه في عقر بيوتهم سيوف التهديد بقص النواصي وطعن النحور يرقص بها في نفس الوقت الذي كانت فيه سيوف القتل المصدرة من بلده تُعمل الذبح والتقتيل في حي الزيتون في قطاع غزة .
فلسطينيا فان السيد محمود عباس الرئيس الفلسطيني أحسن صنعا عندما تحدث هاتفيا مع وزير خارجيته الأسبق محمود الزهار وقدم له واجب العزاء بفقدان ابنه وكذلك أحسن صنعا عدد من قيادات حركة فتح عندما اتجروا مكالمات شبيهة ، ومع ذلك فان المسافة بين رام الله وقطاع غزة قد لا تتعدى الساعتين خاصة وان دماء الشهداء قد اختزلت كثيرا من المساحات الجغرافية وقلصت أو من المفروض أنها كذلك من المساحات الشعورية ، ولا ارى سببا يديم الفرقة بين الأخوة فالمصير واحد مهما تجملت أصوات المدافع وأزيز ' الزنانات ' ( هكذا يسمون طائرات التصفيات في قطاع غزة ) في اذان الناس ، ولكنها تيقى ادوات قتل .
إن المطلوب الآن عربيا وإسلاميا هو رفع الحصار الظالم عن الشعب الفلسطيني عموما وعن قطاع غزة خصوصا تنفيذا لقرار جامعة الدول العربية برفع هذا الحصار الظالم ، وليت شعري الم يسمع عمقنا العربي والإسلامي استغاثة الدكتور باسم نعيم وزير الصحة في حكومة هنية التي شكا فيها من عدم تمكنهم توفير الأقمشة ( الأكفان ) لدفن شهداء حي الزيتون من يوم الثلاثاء .