توظيف الزمن 5

نشر 07 ديسمبر 2013 | 09:45

1- مدخل.

الزمن ثروة لو أدركنا قيمتها لتغير وجه الحياة، ولتقدمت مجتمعاتنا خطوات واسعة إلى الأمام. لو أدرك المسؤول قيمة الزمن لتغير تخطيطه، ولو أدرك الموظف قيمة الزمن ما قال لمواطن: تعال بعد أسبوع. ولو أدرك الطالب قيمة الزمن لأبدع في دراسته، ولو أدرك الزارع قيمة الزمن لتغيرت زراعتنا، ولو أدركت الأمة عموماً قيمة الزمن ما سكتنا على نكبتنا في فلسطين خمساً وستين سنة سوداء.

 

وأدرك المسلمون الأوائل قيمة الزمن فصنعوا التاريخ والأحداث الكبرى. عبور خالد صحراء السماوة بين العراق وسوريا حتى بلغ موقع اليرموك في الأردن، ربما لو تأخر عبوره يوماً هلك الجيش.

 

من هنا كانت فكرة هذه الحلقات من إدراك قيمة الزمن وتقدم عدونا علينا في سائر مناحي الحياة وتخلفنا عنه، وما التقدم ولا التخلف إلا حسن استثمار الزمن أو سوء استثماره.

 

وعرجنا في الزمن على عدد من قصص القرآن كان آخرها قصة يوسف ولعلها في هذا الجانب أوضح قصة وأوفاها. وفي هذه الحلقة نواصل التوقف عند قصة يوسف.

 

2- الخطة اليوسفية الخمس عشرية في إنقاذ الديار المصرية.

قلنا إن خطة يوسف عليه السلام تتضمن تعبئة طاقات الأمة جميعاً وتطوير قدرات أفراد الأمة. فبالتدريب ترتقي طاقات الأفراد بشكل هائل. والعامل بعد التدريب تتضاعف إنتاجيته وتتحسن. لا بد من تغيير مناهج التعليم والإعلام والسياسة والتموين والتخزين والنقل والري ونظام الحياة جميعاً. إنها المجاعة أو الاحتياط لها لتفاديها.

 

إن السفينة تواجه صخرة عاتية إن لم نحسن تفاديها سنرتطم بها ونصبح فرائس المجاعة. ولكن يوسف اجتاز المحنة بتفوق عظيم. ولم يعبر بمصر وحدها بل عبر بالمنطقة فصارت كل المنطقة تتزود الميرة والطعام في أيام شدتها من مصر. لا حصار ولا حدود ولا حواجز ولا عوائق ولا سدود. إنها السماحة في منهج السماء الذي يطبقه الصالحون.

 

وتأمل بعد أن وقفنا عند «تزرعون» ودلالاتها، تأمل «دأباً» فالفعل المضارع تزرعون يفيد الاستمرارية، ولكن أهم منها: الاندفاع بالاقتناع لا بالإكراه والقمع والإخضاع كعمال الأشغال الشاقة.

 

والآن تأمل «دأباً» فهي تعني مواصلة الليل بالنهار عملاً ضمن الطاقة بالطبع. لا بد من تفعيل كل شيء وأهم شيء طاقة الإنسان. إن في البشر من الطاقات فوق ما يتخيل البشر. واليوم أقرأ أن الأردني أذكى من الأمريكي والياباني، فلماذا النتائج مختلفة؟ إنها الخطط والبرامج والمناهج والعمل الجمعي والمؤسسي والشعور بالجدوى أو عدم الجدوى وتقدير الذات أو عدم تقديرها.

والعرب تضرب المثل بالنمل فتقول في أمثالها: «أدأب من نملة» ولاحظ كيف يعمل النمل بروح الفريق، وكيف أنه المخلوق الذي لا ينام من بين سائر المخلوقات، وكيف يخزن طعامه ويجهز لموسم الشتاء من أول الصيف ويحسن التخزين وهو هذه الحشرة الضئيلة التي باسمها سورة في القرآن.

ثم لاحظ خطة التخزين الذي يحفظ الحب أزمنة متطاولة: «فما حصدتم فذروه في سنبله» فالدقيق يبدأ تلفه بعد ستة أشهر والحبوب بعد سنة والحب في السنبل يمكن أن يعيش عشرات السنين ولا يتلف.

 

ثم لاحظ «إلا قليلاً مما تأكلون» إنه يعني تقنين الصرف وتنظيم الإنفاق وما يسمى «تقليل العادم» أو تنظيم وترشيد الاستهلاك الذي رفعناه شعاراً فأصبح مادة للتندر.. لعدم القناعة.

 

إننا على فقرنا نملك أن نرشد استهلاكنا مزيداً ومزيداً بشيء من التوعية مع الاقتناع والانتماء والتصديق. هنا مربط مشكلاتنا، وهنا العقدة وهنا الحل. أقنعونا وخذوا عيوننا. وبدون القناعة نستثقل كل قرش. لقد غير يوسف القناعات. ولولا الاقتناع لقامت في البلاد ثورة الجياع. إن ثورة الجياع تقوم حين يرون المماليك في القاهرة يعيشون كأساطير ألف ليلة وهم يبيتون الليل على الطوى.. فقامت في مصر ثورة الجياع فدمرت القاهرة وأحرقتها كما يصف «ابن تغري بردي» في «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة».

ونتابع مع الخطة اليوسفية: «ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهم إلا قليلاً مما تحصنون» سيعقب سنوات الرخاء السبع «سبع شداد» فلولا الأعداد لأكلت هذه السنوات العجاف الأخضر واليابس. ولاحظ قوله «يأكلن ما قدمتم لهن» فكأنهن ملتهمات تأكل ما قد قدم لهن في السنوات السابقات من إنتاج ثم استثنى: «إلا قليلاً مما تحصنون» إلا ما ادخرتم وأحسنتم ادخاره «تحصنون» كأنه في حصون تمنع التلف وكم يفسد سوء التخزين في حياتنا من أشياء. والسطر الأخير في الخطة ليس من ضمن رؤيا الملك ولكنه زيادة عليها مما علمه الله وأطلعه عليه: «ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون» إنه العبور إلى عام الرخاء بعد الشدائد. إنها التربية الإلهية بالشدة ثم بالفرج بعد الشدة.

 

ولاحظ التفريق بين السنة والعام. فالسنة للعسر والشدة والحرج والضيق. والعام للسعة واليسر والرغد والرخاء والوفرة.

ولاحظ قوله تعالى: «فيه يغاث الناس» تقديم فيه، وبناء يغاث للمجهول فكأن الرزق سينصب عليهم من حيث يحتسبون ولا يحتسبون ستجود الأرض والسماء وتتفجر الينابيع وتفيض الأنهار، وتعطي الأرض أقصى عطائها..

«وفيه يعصرون» ومعلوم أن الناس لا تعصر إلا عند الوفرة الشديدة فمن يعصر البرتقال والكيلو فوق الدينار؟ ومن يعصر العنب والكيلو قفز الدينارين؟ ومن يعصر..؟

 

لكن في ذلك العام سيعصر الناس السمسم والقصب والبرتقال والمانجو وكل أنواع الفواكه والبذور التي تعصر.. ستدور «المكن» وتدر المال الوفير.

 

يحدثنا الأحباب في سوريا أن سنة 65 جاءت بخصب عجيب حتى أن الفول الأخضر كان يباع بالكيس بليرات زهيدة..

متى ننعم بمثل هذه الوفرة؟ متى يجتاز شعبنا قنطرة الفقر وتخرج غالبيته من تحت خط الفقر. متى نخرج من سجن المديونية؟ متى يأتي هذا العام الذي «فيه يغاث الناس وفيه يعصرون»؟

 

ورسمت الخطة اليوسفية ونفذت والشعب والنظام خلية نحل واحدة «وأيد واحدة» على رأي بتوع الشعارات الكاذبة. ولا شيء في الجعبة إلا المزيد من الفقر.

 

ونمضي مع القصة إلى قوله تعالى: «وجاء أخوة يوسف» هنا إشارة زمنية. إن فلسطين في ذلك الوقت، على افتراض أن يعقوب وبنيه يعيشون في فلسطين، لم تكن تملك خطة يوسف، فلنا أن نتصور أن فلسطين كانت بداوة لا مؤسسات ولا دولة، ويعيشون أولاً بأول ويوماً بيوم كما يقال.. فلنا أن نتصور أنهم قدموا مصر على رائحة الوفرة منذ أول سنوات الجدب..

 

وكان نظام يوسف يعطي لكل قادم إلى مصر للتجارة والميرة حمل بعير. فانتشل مصر وجوارها كله من المجاعة.

وتمضي القصة إلى رفع أبويه على العرش فلا نتابع السرد إنما كنا نتوقف عند توظيف الزمن.

 

وتأمل هذه الصلة الوثقى بين مصر وفلسطين قبل آلاف السنين وقبل وجود الدين الذي يجمع أمة المسلمين، وكيف يحاصر العملاء فلسطين وكأننا رجعنا آلاف السنين إلى الوراء بدل التقدم إلى الأمام.

 

3- دروس مستفادة.

1- القائد الصالح الكفء قد ينقذ الله به شعباً وأمة بأكملها من هلاك أكيد محقق. وتصور مصر من غير يوسف.

 

2- هداية القرآن وعبرة قصصه شعاع من نور يعبر الزمان من الماضي إلى الحاضر لينير دروب المستقبل.

 

3- قصة يوسف ينبغي أن تدرس في ضوء احتياجاتنا وواقعنا ولا نظل في النقل عن السابقين وحسب.

 

4- من أعظم دروس قصة يوسف هذه الصلة الوثقى والحركة التجارية النشطة بين فلسطين ومصر قبل آلاف السنين. والذين يريدون قطع الأواصر بلا دين ولا وعي ولا إدراك ولا مراعاة لمصالح بلدانهم ولا فهم لهم ولا اطلاع على التاريخ.

 

5- أهمية التخطيط وأهمية العنصر البشري في أية خطة.

 

6- الفعالية في الأمم أن تستخرج أكبر العوائد من أقل الموارد وأن تستثمر الوقت لأقصى درجة، وطاقة الإنسان وكل الإمكانات.

 

7- لا تنمية من غير تنمية الموارد البشرية.

 

8- أهمية أن يكون القائد على خيال مبدع وقدرات عظيمة وأمل كبير واستشراف للمستقبل وثقة ويقين.

 

9- القيادة بالإقناع تستخرج أجمل وأكمل ما في الإنسان، والقيادة بالإكراه والإخضاع تستخرج منه الأسوأ... ونواصل.