استكملنا يوم الأحد اللقاء مع رئيس الوزراء إسماعيل هنية، حيث امتد لقاؤنا من الثانية عشرة ظهراً وحتى الرابعة والنصف قبيل المغرب, تحدث فيه حوالي ثلاثين من الحضور إضافة لتعقيب بسيط من الأخ رئيس الوزراء. قالوا كل شيء، وتحدثوا في كل التفاصيل، وجمعوا من أقصى المواضيع إلى أقصاها, لا يمكن أن نحصرها في هذه السطور السريعة، ولكن وجدتُ نفسي مضطراً لتسليط الضوء على بعض القضايا التي قالوها لأوضح موقفي منها:
قالوا عن المصالحة ممكنه وغير ممكنة، وتحتاج لقرار وطني ولا تحتاج، عليها اعتراض دولي ومن الاحتلال أو لا, تباينت الآراء واختلفت فيها.. أنا أقول مجدداً: إن الحديث عن نجاح المصالحة في ظل عدم التوقف عند تهميش أثر المفاوضات عليها ضرب من الخيال، والحديث عن المصالحة دون ترسيخ هدفها وهو تحقيق الشراكة الحقيقية ونفي عقلية الإقصاء والشطب والتهميش مستحيل, كل ذلك تمنيت لو استمعت له من كل المداخلات خاصة تلك التي تعودت أن ترفع شعارات فضفاضة, وأن تُمسك العصا من الوسط في حالة تذبذب لا ترجيح لخيار, وذلك حسب المصالح والأهواء.
ثم قالوا عن هوامش الحرية في غزة، وطالب بعضهم بوقف التدهور وبالسماح بالحريات.. وأقول لا أحد يدعو لانتهاك الحريات ولا لتكميم الأفواه، ولا أحد يدعم أي تجاوز أو خطأ أو اعتداء، لكن كنت أتمنى أن أسمع عن حجم الحريات الفردية والاجتماعية والفكرية والإعلامية المسموحة في غزة بجانب التحفظات المطروحة لنقارن، وكنت أتمنى أن أستمع إلى دور بعض الفصائل والمؤسسات والشخصيات في استغلال هوامش الحريات في إفساد الحياة السياسية والأمنية، أو أن يتم استحضار الفوضى والقتل والتخريب الذي صاحب تنظيم فعاليات سياسية خلال الأعوام الماضية، واستحضار دور بعض الإعلام عندما يتحول إلى جهاز دعاية سوداء وإشاعة وحرب نفسية، وجهاز أمني تحت هامش حرية العمل الإعلامي.
ثم قالوا عن خطورة الأوضاع، ومشكلة الكهرباء، وحياة الناس.. وأقول إن الحديث خلا وابتعد عن الجهات التي أفسدت الحياة في قطاع غزة، وشاركت في الحصار، وهي من اضطر الشعب للجوء للأنفاق ليبقى صامداً وثابتاً، ولم يتحدث أحد عن دوره ولا دور مؤسسته ولا دور حزبه وهيئته في التعاون لحل الأزمات.. أقول بوضوح لقد جلس الجميع يراقب وينتظر السقوط والاستسلام, وفي المحافل تتم المزايدات وبيع المواقف ونشر الأدبيات والآلام والآمال دون أن نبرح المقاعد نحو خطوة عملية.
ثم قالوا ناصحين حماس بدراسة خطها السياسي وتحالفاتها السابقة، ولم يتجرأ أحد من هؤلاء أن يتكلم عن دور السلطة في سوريا الآن، ولا العلاقة مع قطر التي انتقلت فجأة من الهجوم إلى ثمن 300 مليون دولار، ولا عن علاقة بعض فصائل المنظمة والسلطة مع ما يجري في المنطقة والارتهان للمحاور الجديدة التي تشدد الحصار على غزة وعلى حماس، كنت أتمنى أن أسمع من البعض مواقف عملية جريئة وصريحة ومقترنة، لكنها أبت إلاَّ أن تكرر نفسها وتبقى أسيرة لبوقها المستهلك غير النافع.
بصراحة وشفافية أقول لقد ألقى رئيس الوزراء وحكومته وحركته الكرة في ملعب الفصائل من قبل، والآن في ملعب هذه النخب التي لها علاقات وامتدادات محلية وإقليمية ودولية بحكم المواقع وطبيعة العمل. ولقد تحققت الفائدة النظرية من اللقاء فهل يتحرك هؤلاء من مربع السلبية إلى مربع المبادرة العملية ويسجلوا موقفاً تاريخياً في سجل القضية الفلسطينية؟. وأقول لرئيس الوزراء شكرا على هذا اللقاء المتجدد، وأدعو إلى تكراره مع شرائح مختلفة كالمرأة والشباب وإسماعهم والاستماع لهم ووضع الجميع أمام مسؤوليته التاريخية.