1- مدخل.
هذه هي حلقة قبل قبل الختام في هذه السلسلة. كنا بدأنا السلسلة بسؤال عن الفارق الزمني بيننا وبين العدو الإسرائيلي ثم الزمن في القرآن عموماً، ثم الزمن في موضوع مخصوص من القرآن هو القصص القرآني، وذكرنا عدداً من الشواهد القصصية كان آخرها قصة سليمان. وفي هذه الحلقة نواصل الموضوع لنتكلم عن الزمن في تفاوت الأمم في القدرة على توظيفه والاستفادة منه، لكنا نعرج قبل ذلك على بعض إشارات سريعة للزمن في السنة النبوية. وأخص الزمن في قصة يوسف بشيء من الخصوص والتفصيل وإن كان الموضوع له شجون وشؤون!
2- التفات مبكر لموضوع استثمار الزمن بفعالية.
أذكر ونحن طلاب في السادس الابتدائي أي سنة 63 طرح الأستاذ علينا سؤالاً، ومنه نعرف كيف كان مستوى المعلمين والطلاب في ذلك الوقت، فقال لنا: رئيس الولايات المتحدة يعرض عليه عشرات التقارير العسكرية والاقتصادية والدولية والسياسية والأمنية، فكيف يستطيع أن يقرأها في الوقت القصير؟ وطفقنا نفكر. ثم أجابنا هو أن السكرتاريا «تعلّم» له على نقاط التركيز والأهمية بإشارات واضحة بقلم ملون، ويتعلم الرؤساء فن القراءة السريع منذ وقت مبكر.
واستوقفتني الفكرة فطفقت أدرب نفسي على سرعة القراءة منذ ذلك الوقت فصرت في الإعدادية أستعير الكتاب اليوم وأعيده في الغد فيقول أمين المكتبة: وهل قرأته؟ فأقول نعم. صرت بفضل الله أقرأ الصفحة في ما بين دقيقة إلى 3 دقائق بحسب الصفحة وصعوبة الموضوع..
3- بعض الإشارات إلى الزمن في الحديث الشريف.
لا أريد أن أطيل في استعراض الأحاديث فهذا موضوع كبير لمن أراد أن يكتب فيه باستفاضة وتعمق وتفصيل، لكن الآن أشير إشارات سريعة لأقف على ما تركته في الحلقة السابقة وهو «الزمن وتوظيفه في قصة يوسف» عليه السلام.
أما بعض إشارات الحديث فقوله عليه الصلوات والتسليم: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»
وقوله: «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك وفراغك قبل شغلك»
وقوله: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع ومنها.. وعن عمره فيم أفناه وعن شبابه فيم أبلاه» وخص زهرة العمر الشباب!
والأحاديث كثيرة كما أسلفت لكني أحببت أن أشير إلى يسير فيها وأترك التفصيل..
4- الزمن في قصة يوسف.
لعل ما من قصة يتجلى فيها عنصر الزمن كتجليه في قصة يوسف، وكيف لا يكون ذلك كذلك، وهي القصة الطويلة الوحيدة في القرآن التي جاءت في سورة واحدة ولم توزع على سور. وهي السورة التي في أولها: «نحن نقص عليك أحسن القصص» ولو أردنا أن نختار قصة تمثل القصص القرآني أوفى وأروع تمثيل لكانت قصة يوسف. ولو أردنا أن نختار قصة فيها تنوع الشخصيات وتنوع المشاعر وتعدد الأماكن وتطاول الزمن وامتداده وتفصيل الأحداث (نسبياً بالطبع) وتطور الشخصيات وتنوع الحوار إلى غير ذلك، لكانت بامتياز في كل ذلك: قصة يوسف. لكنا هنا نخص عنصر الزمن.
ونبتدئ بالإشارة الأولى وإن لم تذكر زمناً لكنها مفهمة بوضوح شديد. أعني وقت تآمر أخوته عليه. فقالوا لأبيهم: «أرسله معنا غداً يرتع ويلعب وإنا له لحافظون» فقولهم «معنا» وقولهم «يرتع ويلعب» وغيرها من الإشارات مثل «وإنا له لحافظون» ومثل «ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون» كلها إشارات تدل على عمره وقت هذا الإبعاد القسري. دون أن يذكر القرآن تحديداً لذلك لكنه تركه ينفهم من الإشارات، ومن مثل قول الوارد: «يا بشرى هذا غلام» ومعلوم في اللغة العربية تحديد سن من يصح أن يقال عنه غلام. ومن خلال قوله تعالى: «وأسروه بضاعة» فلو كان مراهقاً في الثانية عشرة ما صلح أن يقال: «وأسروه..» فالغلام من سن سبع أو نحوها هو الذي يمكن أن يخفى بضاعة أو بين البضاعة. وهكذا لو جئنا نتتبع القصة مشهداً مشهداً وموقفاً موقفاً لنجدن القصة ملأى بالإشارات الزمنية. فقول العزيز لامرأته: «أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً» فيه إشارة إلى أن الولد يمكن تبنيه بمعنى أنه في السن التي تسمح بذلك، وهو كونه صغيراً لم يتشكل بعد. هكذا يظن ويحسب.
والإشارة الأكثر وضوحاً هي في المشهد التالي مباشرة «ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين» لقد طوت «ولما بلغ أشده» عشرة سنوات أو ثلاث عشرة سنة هي بلوغ هذا الولد اكتماله بملامح الرجولة بعد الطفولة. وهنا ابتدأت مسارات أخرى وقف فيها يوسف عليه السلام موقف البطولة، وكانت مكافأته أن زج به في السجن، وهناك تجلت صفحة أخرى من بطولته وأهم منها رعاية الله له وتربيته إياه وتعهده له سبحانه وصلى الله على أنبيائه وسلم.
لكن معقد المعاني في هذه المسألة أعني موضوع الحلقات: رؤيا الملك وعجز الحاشية والملأ ومجلس مستشاريه وحكمائه عن فك رموزها، وقول الساقي: «أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون» وهنا يفتح الله ليوسف بهذه الرؤيا نافذة الفرج والأمل، فيعبر رؤيا الملك بخطة اقتصادية محبوكة مفصلة ببرامج وإجراءات وخطوات وتنظيمات، والعظمة والإعجاز أنها جاءت في كلمات معدودات. واقرأ: «قال تزرعون سبع سنين دأباً فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلاً مما تأكلون. ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلاً مما تحصنون. ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون»
ونقف هنيهة عند هذين السطرين اللذين يمكن أن يفصلا بمجلد.
إني أقرأ في كلمة «تزرعون» دلالات كبيرة وكثيرة. فهي تفيد التغيير في نمط الإدارة وأسلوب الحكم والتوجيه والأمر. فبدل (ازرعوا) بالأمر والإخضاع، «تزرعون» بالفهم والإقناع. لقد تغيرت معادلة ارتباط المواطن بوطنه وقيادته والأرض والزمن. إنها خطة معنية بتنمية الموارد البشرية أولاً. وما قيمة أن يضع «شاخت» الألماني أعظم علماء التخطيط خطة لباكستان ربما تقاضى عليها المبالغ الفلكية ولكنه سأل في نهاية الأمر: «أعطوني الإنسان الذي ينفذ هذه الخطة» لقد استلم الدفة يوسف وباحترام الإنسان استخرج أجود ما عنده وأعلى وأغلى ما فيه. وبإشعارهم بالخطر الماحق دون توظيف هذا في إرعابهم وإخضاعهم، بل لتفجير ينابيع الطاقة فيهم. المسألة نكون أو لا نكون. تستمر أجيالنا وتنقرض. إنها جد لا هزل فيه فأعطوني جهدكم وسواعدكم ووقتكم. ووالله لو سمعت الشعوب العربية من قادتها مثل هذا لأعطت قياداتها أرواحها وأرواح أبنائها، وهي تفعل دون أن تسمع أو تعقل!
لقد وظف يوسف عليه السلام كل طاقات المواطن والوطن. فكل متر أرض يزرع. ولا أريد أن أعرج على الأرض الحمراء التي تكونت في ملايين السنين كيف حولتها خطط التنمية المقلوبة في العالم العربي إلى غابات إسمنت! يا حسرتاه!
وكل قطرة ماء تستثمر وكل ساعد يشمر لا ماء ينسكب في الشوارع لا جلوس على المقاهي وطق الحنك. لا تسكع في الشوارع. لا نوادي ليلية مزدهرة عامرة. لا كوفي شوب يسهر فيه الشباب حتى مطلع الفجر هذه خطة يوسف. برامج تنموية. خطط تدريبية.
الزراعة التقليدية في الزمن الاستثنائي، لا جدوى منها. فلتوضع إذاً خطط استثنائية لزمن استثنائي. جهد صعب لمواجهة زمن صعب. إنها المجاعة ستضرب بسوطها إن لم ندأب كالنمل ونعد طعام الشتاء من الصيف.
ولاحظوا الزراعة بيننا وبين العدو الإسرائيلي. أعتقد أن الفارق إذا قيس بالسنين ربما يبلغ مئة سنة. فهي أولاً تستغل مياه عدة دول: سوريا ولبنان والأردن وفلسطين وربما كانت لها مصادرها من تركيا والفرات إن استطاعت وعينها على النيل وقد وعدها السادات بستة مليارات متر مكعب سنوياً من مياه النيل ومصر عطشانة. كغاز مصر ومصر تحتاجه. ونيلة علينا! ولكن الزمن لم يسعفه.
وموضوع الزمن وتوظيفه طال أكثر مما كنا نتوقع وأكتفي في هذه الحلقة بما قلت وأواصل في حلقتين قادمتين الموضوع فتحملونا!