توظيف الزمن 3

نشر 30 نوفمبر 2013 | 08:55

1- مدخل.

هذه هي الحلقة الثالثة من حلقات «توظيف الزمن» تكلمت في الأولى عن الفارق الزمني بيننا وبين دولة العدو، ثم انتقلت إلى «الزمان في القرآن» وأكملت الحلقة الأولى والثانية، وها نحن في الحلقة الثالثة من هذه الحلقات، أكمل فيها ما في سابقتيها.

وقد تكلمت في الحلقة السابقة عن الزمن في قصة نوح وأصحاب الكهف والذي مر على قرية باعتبار المواضع الثلاثة تمثل زمناً خارقاً للمألوف وخارجاً عن المعروف للناس. فأن يمكث رسول هذا الزمن المتطاول يدعو إلى الله، كانت سابقة لم تتكرر من بعد. لكن الله ضرب لنا بها المثل على عناد الإنسان إذا ركب رأسه، وأخذه الغرور والكبر والإعراض.

 

وفتية الكهف جعلهم الله للناس آية على مر الزمان وتحدثت بقصتهم الأديان الثلاثة الأخيرة. وكذا الذي مر على قرية. وفي هذه الحلقة نواصل.

 

2- الزمن في القصص القرآني.

عنصر الزمن عنصر مهم في القصة يسبق المكان في الأهمية، وإن كان الإنسان لا ينفك عن ظرفي الزمان والمكان معاً (أو الزمكان). لكن الزمن بالإضافة إلى كون الإنسان مظروفاً فيه فإنه ينحت من بنيان الإنسان ويأكل عمره يوماً بيوم حتى ينتهي.

وإن القصة القرآنية وإن لم تشتغل في مواطن كثيرة بتحديدات زمنية إلا أن الزمن مرعي تماماً فيها.

فلم يقل لنا مثلاً عن المسيح عليه السلام كم كان الحمل به، ولا كم عمره حين رفع. ولا كم كان عمر مريم حين حملت به. فكل هذه أمور ثانوية لا ينبني عليها كبير فائدة، وإنما البحث فيها إشباع فضول لا أكثر ولا أقل.

وكم كان عمر إبراهيم حين بشر بإسماعيل ثم بإسحق؟ لسنا ندري. وكم كان بين رزقه بالولدين؟ كل ذلك لا نعلمه! ولا يترتب عليه شيء.

 

ولم يقل لنا مثلاً كم لبث يونس في بطن الحوت. ولا كم لبث في قومه قبل أن يفارقهم ولا كم لبث فيهم بعد أن قذفه الحوت ورجع يونس إليهم. ولكن القرآن كان يعطي إشارات موضحة مفهمة، وأحياناً محددة كأن يقول على لسان صالح عليه وعلى الأنبياء السلام: «قال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب».

 

وقال للوط عن هلاك قومه: «إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب»؟ وقال عن قوم موسى ومطاردة فرعون لهم: «فأتبعوهم مشرقين» وقال عن تيه بني إسرائيل حين رفضوا دخول الأرض المقدسة ونكلوا ونكصوا وجبنوا، قال: «فإنها محرمة عليهم «أربعين سنة يتيهون في الأرض» وقد قال العلماء إن الأربعين سنة كافية أن ينقرض الجيل الذي تشرب الهوان والخور والعجز والجزع والجبن والذل.. وأن ينشأ في الصحراء جيل خشن جديد يصلح للقتال. وقد تكلم ابن خلدون عن أن هؤلاء الخشنين هم من ينشئون الدول والحضارات، فإذا جاء جيل الترف أصاب الحضارة التلف.

 

وقال محمد إقبال:

إنما الإسلام في الصحرا امتهد ليجيء كل مسلم أسد.

هذه حكمة استئناسية ذكرها العلماء..

 

3- الزمن في قصة داود وسليمان.

والآن نقف مع قصة داود وسليمان وعنصر الزمن، وأقول إن القرآن لم يذكر في أي زمن كانا قبل مَن أو بعد مَن وكم حكم كل منهما وكم عمر.. كل هذا لم يتعرض له. لكنه ذكر تسبيح الجبال مع داود «بالعشي والإشراق». فهذا أهم من الأسئلة السابقة.

 

أما سليمان فهناك أكثر من إشارة زمنية في قصته، فأولاً أن الله سخر له الريح «ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر» هل معنى الآية أن الريح مسخرة له بحيث تأتيه الأخبار بسرعة الريح على مسافة شهر؟ أظن أن المعنى أن الريح تأتيه بالأخبار في الزمن اليسير في البعد المكاني الذي يحتاج المسافر أن يقطعه في شهر تأتيه به في يسير من الوقت. هكذا أفهم الآية.

 

وإشارة ثانية من قصة سليمان عندما أرسل رسالة إلى ملكة سبأ مع الهدهد الذي تأخر في الطابور أو عن الطابور فحط بعد قليل وبين له أنه آت «من سبأ بنبأ يقين» وكان هذا التأخر اليسير قد أغضب منه النبي الكريم، فلما جاءه بالبينة وأنه جندي مخلص يعمل دون تكليف حمله رسالة إلى ملكة اليمن بعد أن قدم تقريراً فيه معلومات مهمة مركزة موجزة مكبسلة: «وجدت امرأة تملكهم» بدأ بنظام الحكم والنظام السياسي وأن امرأة تدير الدولة وهذه معلومة مهمة جداً في الخطة بعد.

 

وبعد النظام السياسي تكلم التقرير عن الوضع الاقتصادي وأن اليمن كان يعيش رخاء اقتصادياً ووفرة ورغداً وبحبوحة وكان سعيداً: «وأوتيت من كل شيء!» تأمل كيف لخصت كلمات وضع البلد من ناحية معيشية واقتصادية وإنتاج وما هي إلا 4 كلمات.

«ولها عرش عظيم» هذه معلومة ثالثة مهمة سيكون لها توظيف فعال في القصة بعد قليل.

 

ثم تطرق بعد هذا إلى الوضع الديني في تلك البلاد وما يعبدون وعقيدتهم فقال: «وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله» ثم بين موقفه من هذا الوضع الديني السيء، واستغرق منه أطول مما سبق، وهذا يبين أنه من الأهمية بمكان أن يكون للمسلم موقف من كل شيء، خاصة في الوضع الديني، كما كان ليوسف في مصر حين دعا السجينين وتعرض لديانة قومهم إذ قال: «إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون»

 

نعود إلى قصة سليمان.. فقد علم من استخباراته أن الملكة في طريقها إلى عاصمة ملكه.. بعد أن رد الهدية ورجع الوفد إلى سبأ مندهشاً من هذا الذي لا يلتفت إلى الدنيا ومتاعها وهداياها (أو سمّها ما شئت)!

 

وعندما علم بهذا القدوم أراد أن يحضر لها مفاجأة وأن يبهرها بالإدهاش وإراءتها كم الفارق الحضاري والزمني بين حضارته الدينية وحضارتهم الوثنية. فقال في جنوده: «يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين؟» «قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين» يعني خلال ساعة وأنا مقتدر. وهو عرض جيد بل ممتاز، لكن تأمل هذه اللفتة إلى عنصر الزمن: إن ما ينجز في دقائق لا يجوز أن ينجز في ساعة، وهي مدة قيامه من مقامه، (مثلاً أقول).

 

واستمع إلى ما يطرحه جندي آخر من نفس الفئة: أعني الجن لكنه مسلم، عبر القرآن عن ذلك بوصف «الذي عنده علم من الكتاب» فالعلم والإيمان قضية واحدة. «قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك» وهذا الذي قد كان «فلما رآه مستقراً عنده قال: هذا من فضل ربي..» إلى آخر القصة.

 

موضع الشاهد وهو مهم: المسارعة في الإنجاز حتى لو لم يكن داعيا ملحا، حتى تصبح ثقافة وسلوكاً وسمة وسمتاً وديدناً، ومع المسارعة حفظ وإتقان وإجادة، كما قال الأول: «وإني عليه لقوي أمين».

 

ومطلوب كذلك إيجاد روح التنافس والتفاعل في العمل حتى يستخرج القائد من الأمة أروع ما فيها وأعلى ما فيها، وبالذات استغلال عنصر الزمن وتوفير الوقت كما يوفر المال والثروة وكما يقتصد في الضروريات كالماء وغيره.. الوقت ثروة الأفراد والوقت ثروة الأمة. الوقت روح الإنجاز وروح الحضارة وروح التقدم.. وكل خطة تحتاج إلى وقت. وكل إنجاز يحتاج إلى وقت. إن بناء معْلم حضاري كسد يحجز الماء مثلاً يحتاج إلى مال بالطبع، ومع المال يحتاج إلى الوقت، وإلى تفعيل وتشغيل طاقات الأمة. أرأيت إلى سد ذي القرنين؟ فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً. قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردماً» لقد تخلفنا كثيراً وطويلاً في كل الأمور تأخرنا في الزراعة فيجب أن توضع الخطة المحكمة ونسارع في اللحاق بركب العالم. وتخلفنا في الميادين كافة فعلينا أن نفعل ثروة الزمن وأن نوظف عنصر الزمن.

 

وكنت أريد أن أضيف إلى هذه الحلقة «الزمن في قصة يوسف» فهي مليئة بمثل هذه الإشارات والتلميحات بل التصريحات.. على منهج القرآن، ولعل أوضح وأهم كل ذلك خطته الخمس عشرية في النهوض بمصر وتطوير زراعتها والنهوض باقتصادها والعبور بها من محنتها ونجح في كل ذلك أيما نجاح، لكن حتى لا نطيل على القارئ أكثر مما قد أطلت فإني أؤجل هذا الحديث إلى حلقة تالية.