القرّاء والرقابة

نشر 30 نوفمبر 2013 | 08:49

القراء الغاضبون أكثر من رمال الصحراء الغربية، والناقدون أكثر من موجات المحيط، وهناك من يعلق فيقول لقد أضعت وقتي والنصيحة أن لا يعود، وهناك من يقول إنك تحلق وكتاباتك لطلاب الجامعة، فوجد نفسه طالب ثانوية لا يقوى على هضم الأفكار، وهناك من يبحث في حروفي فيجد خروقا ينفذ منها فلا يستفيد مما أكتب أكثر من العت الذي يأكل الورق ويفوته المعنى. وهناك قلة قليلة ممن ينتبه إلى خطورة المعاني وإلى أين أذهب فيما أرمي إليه؟ كذلك فإن الرقابة عندها خطوط حمراء مرسومة فإن تزحلقت أيها الكاتب فقد غامرت بقلمك ومصيرك، وإن رحموك ردوا ما كتبت فما نشروه. وقبل قليل وردتني رسالة من غاضب جدا، وهذه الرسالة ليست الأولى من نوعها، ولن تكون الأخيرة، وأذكر أنني كنت يوما مدعوا لكلمة في حفلة مسائية طاب نسيمها وكثر حضورها، فقال المتحدث إنه يفخر، أنه أصدر واحدا وعشرين كتابا، لم يتلق حولها اعتراضا واحداً؟

 

فقلت في نفسي بخ بخ.. أما أنت أيها المزعج يا خالص، ففي كل كتاب لك أكثر من 21 مخالفة للرأي السائد..

وهنا أدركت أن المصلحين في التاريخ كانوا مزعجين، لأن السواد العوام من الناس، يحبون أن يسمعوا كلاما لا يوقظ نائما ولا يزعج مستيقظا؟! وأذكر في باريس أنني دعيت لمسجد للمغاربة كي أتحدث بينهم؛ فلما بدأت كلامي كان الحضور نصفه يشخر ونصفه يمخر. وأحدهم يحملق لا يفقه كثيرا مما أقول..

 

فعرفت أن بضاعتي ليست لهم وسوقي ليس عندهم..

وفي مونتريال دعيت إلى مسجد (الغدير) لأتحدث، قال لي من قدمني عندك خطبتا جمعة ودرس، فتلقوا الخطبة الأولى تلقيا حسنا، لأنها كانت تدور حول مصادرة خطبة الجمعة بيد ثلاث فئات: هي وعاظ السلاطين، والنائمون في استراحة المماليك البرجية أيام سعيد جقمق، والمتشددون الذين يدعون بالهلاك على تسعة أعشار الجنس البشري؟

 

وحين جاء وقت الدرس وعظتهم عن تبني منهج السلام بين الأنام خاصة وهم في كندا، التي فروا إليها من جمهوريات الخوف والبطالة؛ فلما حان وقت الأسئلة احمرت الأحداق وهموا بي، لولا أن خرجت منهم بسلام دون عطب في رأسي وبدني؟