السجل الأسود

نشر 28 نوفمبر 2013 | 08:39

في 21 آذار 1556م كان المصلح الديني البريطاني (توماس كرامر) (CRAMMER THOMAS) يشغل منصب (أسقف كانتربري) أول مترجم للإنجيل إلى اللغة الإنجليزية، يُضبط على آرائه الخطيرة في الإصلاح الفكري ويُساق إلى المحرقة ليُشوى على نار هادئة. وكانت احتفالات حرق الهراطقة في أوروبا ظاهرة عامة وفي إسبانيا في (بلد الوليد Valadvalid) كان الحرق يتم بحضور الملك فيليب الإسباني.

 

ويحصي فولتير إحراق ملايين الناس من أجل أفكارهم بدعوى السحر. وكادت أم الفلكي الألماني (كبلر) أن تنتهي مشوية على الحطب مثل أي «فرُّوج»؛ في الوقت الذي كانت الكنيسة تعالج السعال الديكي بلبن الحمير، وتبيع تذاكر دخول الجنة، وتطارد القطط والساحرات وتحرقهم مع الكتب في الساحات العامة.

 

وحسب تقديرات مجلة (دير شبيجل الألمانية) فقد أُحرق بين عامي 1450 – 1750م مليون امرأة بتهمة السحر، إلى درجة أن يدلي رأس الكنيسة الكاثوليكية البابا البولوني (كارول فويتايلا KAROL WOJTYLA) يوحنا بولس الثاني (PAUL II) بهذا التصريح: «إن ما حدث في تاريخ الكنيسة عار كبير. كيف يمكن للإنسان أن يسكت عن هذه الألوان من ممارسة العنف في صورة حروب دينية تُشن، ومحاكم تفتيش تصب العذاب على البشر باسم الإيمان؟ إن ما فعلته محاكم تفتيش العصور الوسطى كان التمهيد الفعلي لقيام أنظمة (توتاليتارية TOTALITARISM) في القرن العشرين وأنظمتها القمعية من نموذج (الجستابو GESTAPO) النازي وجهاز الاستخبارات الـ (K.G.B.) الشيوعي و(STASI) استخبارات ألمانيا الشرقية. وبقي السجل الأسود للكتب الممنوعة في الكنيسة ساري المفعول حتى الخمسينيات من القرن العشرين قبل أن يفتح الفاتيكان الباب للاطلاع والنقد لـ 4500 ملف سري تعود لمحاكم التفتيش واستخبارات الكنيسة.

 

وقصة التضحية بالإنسان من أجل أفكاره ليست امتيازاً للكنيسة بل هي مرض إنساني عام نجده في كل الثقافات. وفي سورة «إبراهيم» عرض «بانوراما» لكل الرسل ولكل الأقوام الذين ردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب. هكذا فرّ أرسطو من أثينا بجلده إلى آسيا الوسطى. وضحّت أثينا عام 399 قبل الميلاد بأعظم فلتة عقلية في التاريخ البشري سقراط وهو شيخ مسن، بدعوى أنه يفسد عقول الشبيبة بفكرة الوحدانية. وصوّت مجلس أثينا بغالبية الأصوات أن يتجرع سم الشوكران فبكت زوجته وقالت: ولكنك بريء؟ قال لها: يا كزانتبي وهل يسرُّك أن أُعدم وأنا مدان؟ وعندما نصحه بعضهم بالهرب ومكّنوه من ذلك قال: العيب أن تهرب مما هو ليس بعيب.