توظيف الزمن 1

نشر 23 نوفمبر 2013 | 08:41

1- الفارق الزمني.

لو أردنا أن نقيس الفارق أو الفالق الزمني بين الدول العربية مجتمعة أو متشظية متردية، ودولة الكيان الصهيوني في وطننا المحتل فلسطين والمسماة «إسرائيل» فكم تقدرون هذا الفارق وهل يقاس بالعقود أم بالقرون؟ وما السر في هذا الفارق؟ ولو شمرنا وبدأنا العدْو (بسكون الدال) وراء هذا العدُو (بضم الدال) فكم نحتاج من الزمن؟ ومتى يطلق العالم العربي صفارة البدء في هذا الماراثون الطويل؟ وإذا وصلنا إلى ما هو عليه اليوم بعد عشرات السنين فأين يكون قد وصل العدو؟ وهل القطاعات المختلفة فاصلها الزمني واحد؟ فهل الصناعة والزراعة والإدارة والسياسة والعسكرية والأمن والتقنية أو التكنولوجي والطب والهندسة.. إلخ تفترق عما عندنا بفاصل ثابت أم متفاوت؟ ففي الذرة أو الأمن قد تكون الفوارق مئات السنين.. وهل تستوي البلدان العربية أم تتفاوت في الفارق مع العدو؟ إنها إن كانت تتفاوت فالتفاوت لا يقاس ولا يذكر ولا يؤبه به ولا يشار إليه.

 

وهل تجسير الهوة وردم الفالق وارد وممكن؟ وهل نملك الإرادة والقدرة على ذلك؟ وما معنى التخلف وهي الكلمة الألصق بنا والأدق تصويراً لحالنا؟ ولماذا انطلقت دول بعدنا فوصلت وأنجزت وأمنت السقوط والعثار؟ ولماذا أمتنا أدمنت هدر الوقت وطول الانتظار؟ وهل يأتي الانتظار بطائل أم بشيء أصلاً؟ وهل الزمن بالنسبة لنا جزء من الحل والعلاج أم جزء من العلة والمرض؟ ولماذا شعارنا المفضل «حسيبك للزمن»؟ ولماذا لا نؤمن بأن العدالة في الأرض ممكنة قبل اليوم الآخر في ساحة القيامة؟

هل خلقنا من طينة غير طينة الشعب الياباني أو الكوري الجنوبي أو حتى الصيني؟

 

وإذا كانت فرنسا تحذر نخبها المثقفة ونخبها السياسية من اتساع الفجوة التكنولوجية بين الولايات المتحدة وبينهم حتى قالوا: إن لم نتدارك أنفسنا بتضييق هذه الفجوة فإن الفارق بيننا وبين أمريكا سيصبح كالفارق بيننا وبين أفريقيا، أقول إذا كانت فرنسا تقول هذا فما نقول نحن، ومصانع عطورها تدر على فرنسا أكثر من كل آبار بترولنا في عالمنا المنهوب المنكوب المقلوب المغلوب المسلوب؟

 

2- الزمن في القرآن.

ما من كتاب سماوي أو غير سماوي أعطى الزمن من الأهمية ما أعطاه القرآن. وذاك لأهمية الزمن كحقيقة موضوعية لا عن مبالغة. فأولاً في عقائده يشكل الزمن بعداً مهماً جداً. فثاني أعظم العقائد بعد التوحيد عقيدة اليوم الآخر أو الساعة.. تعددت الأسماء سوى هذين، فهو يوم التغابن ويوم التناد ويوم القيامة ويوم الحساب ويوم الخلود ويوم الجزاء ويوم الخروج.. إلخ.

ومع أن هذا الركن هو الركن الثاني إلا أنه هو الذي يعطي للركن الأول: التوحيد أهميته. فالعرب قد يسلمون بوجود الإله لكنهم كانوا يجادلون باستماتة وعناد في عقيدة اليوم الآخر.. لأنهم يريدون الإيمان بلا حساب ولا جزاء، كطالب يحب الانتساب للجامعة ويكره موسم الامتحان أو «يوم الامتحان»!

 

وفكرة الآخرة، أو عقيدة الآخرة بالطبع، زمن من وجهة أخرى سوى أنها التي تعقب الدنيا ولا يعقبها شيء، لذلك هي «آخرة».

هي زمن من ناحية أخرى.. من ناحية تصور أو اعتقاد الخلود. فهي زمن لا نهائي ممتد بلا انقطاع على أهل الجنة أو أهل النار. وقد عبر عن هذا المعنى القرآن بعدة صور، فمرة يقول: «لابثين فيها أحقاباً» ومرة يقول: «خالدين فيها» «خالدين أبداً» «إنكم ماكثون» «لا يذوقون فيها الموت..» «ذلك يوم الخلود..» «وما هم منها بمخرجين» «خالدين فيها ما دامت السموات والأرض..» إلخ.

 

وهذه فكرة محورية وعقيدة أساسية ونقطة جوهرية مركزية في الدين، وملخص القضية أن الآخرة خير وأبقى. ولذلك يقدم المسلم على التضحية والبذل والعطاء والاجتهاد للدين وفي العبادة، موقناً أنه يستبدل الذي هو أدنى وهو الدنيا بالذي هو خير وهو الآخرة.. لأنه «وما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل»، «أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل»، وأما الذين شعارهم «عصفور في اليد خير من عشرة في الغد» أو على الشجرة فهم أسخف الناس عقولاً، فالتجارة ما هي؟ إنها ربح في نهاية العام بالكاد يصل العشرة في المئة.. ولولا هذا الاصطبار لتحصيل هذا الربح ما قامت تجارة. والزراعة ما هي؟ أليست تخزين البذار في التربة ستة شهور أو نحوها حتى تنضج وتنبت وتُحصد؟ أو زراعة شجرة قد تثمر بعد خمس سنين وبعضها بعد عشر سنين وبعضها بعد عشرين كالنخل..

 

إن الإيمان بالآخرة هو تجارة مع الله «هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم»؟ ومتى وثق الناس في شخص أو مؤسسة استثمروا عنده، أفلا يستثمر المسلم عند ربه؟ قصر النظر مشكلة. يروي محمد أسد رحمه الله أو «ليو بولد» قبل إسلامه، فيقول: زرت مكة للحج ولقيت الملك عبد العزيز فنظرت إلى الصحراء أمامي وقلت (وأكتب بالمعنى من الذاكرة): متى أرى هذه الصحراء جنات خضراء. فظن أن عندي خطة جاهزة. فقلت: إنها تحتاج إلى خطة عشرية.. أو نحوها. فقال: لا نريدها.

 

3- العبادات والزمن.

لقد ربط القرآن أركان هذا الدين من العبادات، ربطها بالزمن ربطاً محكماً، فالصلاة منسجمة مع حركة الكون، وبالذات حركة الأرض والشمس، فالفجر مع انبثاق آية النهار وزوال آية الليل، «فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة» وصلاة الظهر عند توسط الشمس كبد السماء، والعصر عند توسط الشمس المسافة المتبقية من الزوال (الظهر) إلى الغروب وصلاة المغرب عند غروب الشمس وصلاة العشاء عند غروب الشفق الأحمر، ومن هنا قال القرآن الكريم: «إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً» النساء. وقال: «أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً» الإسراء. ودلوك الشمس صلاة الظهر وقد جمع القرآن 4 صلوات بكلمات 4 إذ قال «لدلوك الشمس» «غسق الليل» ثم توقف ملياً عند صلاة الفجر فسماها أولاً «قرآن الفجر» وهذا تشريف. وكررها مرتين، وهذا تشريف آخر. وختم بها الحديث وهذا شرف ثالث. وخصها بأنها تشهدها الملائكة وهذا رابع، وخامس أن القرآن أعطاها من عدد الكلمات في الآية آنفة الذكر ما أعطى باقي الصلوات بالضبط (7 مقابل 7).

 

وأشار إلى صلاة داود في الأمم السابقة وربطها بالزمن فقال: «إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق» والآيات عديدة نكتفي منها بما ذكرنا.

 

أما الصوم فهو ركن عظيم يدور مع الزمن تماماً، فرمضان هو الشهر الذي أنزل فيه القرآن «أياماً معدودات فمن شهد منكم الشهر فليصمه»

 

والصيام لعله الركن المنضبط بالوقت بالدقيقة أكثر من غيره. فقد تؤخر الصلاة ساعة أو أكثر. لكن لو أخرت السحور بعد الأذان بدقائق فقدت صيامك. ولو أخرّت إفطارك بعد أذان المغرب خالفت سنة نبيك. فهو انضباط دقيق بالدقيقة. والصوم يبتدئ بظهور أو رؤية هلال رمضان وينتهي برؤية هلال شوال: «فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته».

 

والحج زمن: «الحج أشهر معلومات» هذا على احتساب الأشهر الحرم التي يتنقل فيها الحجاج من مناطقهم البعيدة إلى البيت الحرام. وإلا فإن الحج جعله الله أياماً فقط «فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى».

فيوم عرفة من أخطأه فقد حجه لأن «الحج عرفة».

 

والزكاة أداء حق الله ثم حق المجتمع في المال إذا بلغ النصاب وحال عليه الحول. فالزكاة تسير مع دورة الزمن، وتجب بمرور حول على المال. فكل الأركان العملية العبادية تدور مع الزمن كما رأينا.

 

وهناك فرائض يسميها العلماء: «فريضة الوقت» أي أمر يجب عمله في لحظة الاحتياج إلى ذلك العمل.. كأن يضرب منطقة إعصار أو زلزال فتحتاج إلى معونة لأنها منطقة منكوبة. أو تتعرض منطقة لغزو خارجي فتجب نصرتها.. والشواهد والأمثلة كثيرة..

 

وحديث الزمن لا تكفيه حلقة فنواصله في حلقة تالية بإذن الله.