من أخطر الدعاوى التي يدعيها فريق من المسلمين، ويردون بها على أي مناقشة فكرية قولهم: "إننا مسلمون، وليس في الإسلام حرية تفكير على إطلاقها، بل هناك ضوابط ينبغي التوقف عندها". ومشكلة هذا القول لا تتوقف عند دلالته الحرفية، بل تتعداها إلى النتائج المترتبة على طريقة استعماله الذي يقود إلى آثار فكرية وحضارية خطيرة، إذ إنه تحت دعوى الضوابط يمكن أن تجهض أي عملية فكرية، ويمكن لأي واحد أن ينصب نفسه قاضيًا فيحاكم الناس إلى فهمه، ويتهم من يتجاوز هذا الفهم بأنه تخطى حدود الدين نفسه، وبذلك إن القول بضوابط الحرية الفكرية ما هو إلا تعبير جذاب عن تقويض حرية الفكر من جذورها.
مشكلة الذين يقولون بحدود حرية التفكير أن الإسلام في نظرهم هو فهمهم ومبلغهم من العلم، لذلك إن الحدود التي يقصدونها عمليًّا لا تعني ألا تتجاوز دين الله، بل ألا تتجاوز آراءهم وأفهامهم البشرية؛ لأن هذه الآراء هي الميزان الذي يحاكمون الناس إليه، فلا يحق لأحد أن يرى ما لا يرونه، وإلا عدوه خارجًا عن الدين وعدوًا لله ولرسوله وللمؤمنين، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن آراءهم متفاوتة فهذا يعني أنه صار بوسع أي أحد أن يمارس الإرهاب الفكري ضد كل صاحب رأي؛ بحجة تجاوزه لحدود الإسلام، وهو يقصد بالإسلام فهمه، دون شك؛ فنحن أمام نسخ متعددة من الإسلام بقدر تعدد آرائنا، وكل رأي من هذه الآراء هو الإسلام الذي يحرم الخروج عنه، ويحق محاكمة من يخرج عنه، وربما استباحة دمه.
إن القول بضوابط حرية التفكير يعني أن الله يقيد عقولنا ويحرم علينا التساؤل، وبذلك إنه لا يسعنا ما وسع سقراط وأرسطو من التفكير الحر؛ لأن الفكر الحر يتعارض هو والإسلام، كما يزعمون، فإذا قال أحد الناس:"إنني أريد أن أفكر بحريتي"؛ فإنهم يقولون له:"إن الإسلام ليس مكانك الصحيح"، وإن لم يكن مسلمًا فكأنهم يقولون له:"لا تدخل الإسلام إلا إذا تخليت عن حريتك الفكرية"، وبذلك صرنا فتنةً للذين كفروا نصد عن سبيل الله وننفر الناس من دين الله؛ لأن الحرية مقدسة في نفوس أحرار العالم، ومن غير المتوقع حين نضعهم بين خيارين: إما الفكر الحر وإما الفكر المقيد أن يختاروا الثاني، فهل حقًّا الدين يقيد حرية التفكير؟، أم أننا نحن المسلمين من وضعنا على عقولنا الإصر والأغلال، وأسأنا فهم ديننا وقيدنا أنفسنا بما لم ينزل به الله سلطانًا؟!
أولًا: ليس صحيحًا أن الإسلام وضع حدودًا لحرية التفكير؛ لأن وجود هذه الحدود المتوهمة يلغي أي قيمة لحرية التفكير من أساسها؛ فالتفكير بطبيعته عشوائي ومنطلق في الاتجاهاتكافة، والأسئلة تقفز إلى عقل الإنسان فجأةً دون استئذان وتلح عليه، ويستحيل أن تقول لإنسان:"فكر بحرية، ولكن في اتجاه واحد، ولا تفكر في الاتجاه الآخر"، إن أي حد يوضع أمام حرية التفكير ينسف مبدأ الحرية من أساسه، ويصبح كأنه لم يكن؛ فالقول بأن هناك حرية فكر ولكن بحدود هو قول متناقض، فإما أن نقول:"هناك حرية تفكير لا تتجزأ"، وإما أن نقول:"إنه لا حرية للتفكير ولا سبيل بينهما".
ثانيًا: إن الدين يقيم بناءه على أساس حرية الفكر الكاملة، وتقديم الإجابات الشافية عن كل الأسئلة التي يمكن أن تخطر في قلوب البشر، ويقدس البرهان معيارًا للحق؛ فلا دعوى إلا ببرهان، والقرآن يخضع أي مسألة لمعيار البرهان وحده،حتى القضية الوجودية الكبرى قضية الألوهية إن القرآن يثبتها بالبرهان، ويفتح باب المحاورة الفكرية أمام المشركين ليدلوا بما عندهم من أدلة وبراهين على صدق دعواهم بوجود إله غير الله ﴿ومن يدع مع الله إلهًا آخر لا برهان له به..﴾؛ فمنطلق ذم القرآن لهؤلاء المشركين هو مجانبتهم لأسس المنهج العلمي واتباعهم الظن، وتقديم دعوى بغير دليل،لا لأنهم أطلقوا العنان لتفكيرهم؛ فالظن والهوى مخالفان لأسس التفكير العلمي لا صفة له، وهذا الأسلوب القرآني في مطالبة المخالفين بالالتزام بأسس الحوار الفكري حاضر بقوة، حتى يسهل ملاحظة أنه سمة رئيسة من سمات المنهج القرآني...
تأملوا مثلًا: "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"، و"قالوا اتخذ الله ولدًا سبحانه هو الغني له ما في السموات والأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون"، و"هل عندكم من علم فتخرجوه لنا"، و"ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ"، إن مطالبة القرآن للمخالفين بالالتزام بالمنهج العلمي المتمثل في ضرورة الاعتماد على البرهان ليس قيدًا على حرية التفكير، بل إن الالتزام بالبرهان وحده هو الذي يحرر المجادلة الفكرية من آفات الهوى والظن، ويحقق الحرية الفكرية الحقيقية.
القرآن وهو يقدم نفسه للناس كتاب هداية من خالقهم إنه مع كونه علوي المصدر يراهن على الإقناع العقلي،لا على سلطة الإجبار الفوقي، تأملوا هذه الآية:"أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة"، إن الله (تعالى) يستعمل المنطق البشري البسيط للرد على دعوى قيلت بحقه بغير علم، مع أنه كان قادرًا على النفي وحسب، دون اضطرار إلى الاستغراق في كل هذا التبيان والإقناع العقلي، ولكنه يبث فينا روح اعتماد العقل أساسًا لمعرفة الحق، والقرآن لا يتخلى عن منهج المحاججة العقلية حتى في أقصى الحالات التي يسيء فيها الناس الأدب مع خالقهم، فحتى حين اتهم اليهود الله (تعالى) بأن يده مغلولة كان المنطق العقلي حاضرًا في الرد: "بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء"، إننا نحن البشر إن أسيء الأدب إلينا أو اعتدي على حقنا؛ فإننا ننسى أي لغة للمنطق والعقل، ونرد الشتيمة بأضعافها، ونعد الحديث بالعقل في مواجهة الشتيمة علامة ضعف واستسلام، لكن رسوخ منهج القرآن في احترام لغة العقل والحجة يبلغ حدَّ أنه لا يتخلى عنه حتى في مواجهة من يسيئون الأدب.