لا ندري ما في القِدْر، ولكنه على النار. بعضهم يقول ما في القدر حصاة، وبعضهم يقول بل لحم ليس بنضيج. من وضع القدر على النار؟ الإجابة متعددة: بعضهم يقول: إن اتفاق تسليم الكيماوي السوري، الذي جاء برعاية إيرانية، هو من وضع القدر على النار. وبعضهم يقول إنه مكالمة أوباما روحاني الشهيرة، وهو ما سماه آخرون ابتسامة روحاني. وبعضهم يقول إنه الحصار الذي استبد بالمواطن الإيراني وأثر على حياته اليومية. وآخرون من محبي إيران يقولون لا هذا ولا ذاك، بل هو الدهاء الإيراني، والقدرة الفائقة على المناورة.
ليس مهما الآن فيما أحسب الإجابة عن سؤال من وضع قدر المفاوضات على نار الإنضاج. فوجود القدر على النار تجاوز بنا هذا السؤال، إلى سؤال أهم يتعلق بالقدر نفسه، وبما فيه. هل به حصى لا فائدة منه، أم به طعام تنتظره الأفواه الجائعة؟.
المجيبون متعددون، ولكن لا أحد منهم يملك الإجابة النهائية. الإجابات المبدئية المؤقتة تقول إنه ثمة تقدم في عملية إنضاج اتفاق سياسي لما يسمى في الغرب النووي الإيراني. ويبررون هذا بحضور كيري ولافروف من ناحية، وبغضب (إسرائيل) وغيرها من ناحية أخرى.
إيران تقول: أنا لا أريد قنبلة نووية، ولكن أريد اعترافا دوليًا بحقي في تخصيب اليورانيوم على الأرض الإيرانية بنسب أقل من ٢٠٪. أميركا والغرب يخشون مكر إيران، هم يريدون ضمانات مصداقية. كل ضمانات المصداقية في نظري لا تكفي الغرب، إلا إذا كانت أصابعه في داخل القدر، وفي مركزه، أو مراكز التخصيب. الغرب قوي لذا هو لا يأكل كلامًا، كما يأكل الضعفاء في المفاوضات. هو يريد أن يكون الحارس على المنشآت وصاحب القرار في النجاح وفي الرسوب.
(إسرائيل) قلقة. ودول أخرى قلقة. (إسرائيل) شرطي المنطقة، ولقلقها موجات ارتدادية في مجموعة (٥+ ١)، وكذلك في المنطقة، هي تريد اتفاقا كاتفاق الكيماوي السوري، وإلا فهي تهدد بالقصف. (إسرائيل) منتشية بقدراتها العسكرية، هي تملك القدرة العسكرية لتحقيق ما تريد، ولا تقبل باتفاق سياسي يختزل الحل، أو ينتقص ما تريده، فهي تعمل ضد الخطر المحتمل، وضد الخطر القائم.
(إسرائيل) النووية هي الخطر الرئيس في المنطقة، وربما في العالم، ولكنها تملك قدرات تحويلية متقدمة لصرف الإحساس بالخطر إلى غيرها، لذا فهي تجند دولا إقليمية، ودولية لصرف أنظار العالم إلى الخطر الإيراني. أميركا ربما أرادت تأديب المنطقة، وتأديب بعض الحلفاء، فرفضت عمليات التحويل التقليدية التي تمارسها (إسرائيل)، ووضعت القدر على نار المفاوضات السياسية، مفضلة عملية الاستثمار على عملية التحويل، أي استثمار الأجواء التي قدمها الطقس السوري، والطقس المصري، لإنشاء طقس إيراني يتناسب مع الشخصية الأميركية الباردة.
مربع المنطقة الرئيس ( مصر - سوريا- السعودية – (إسرائيل) ) غير متجانس، بعضهم استقبل الملف السوري بحفاوة، وبعضهم غضب وأدار ظهره، وبعضهم متفهم لما هو موجود في القدر، وينتظر. والآخر غاضب يلعن القدر، ويلعن ما فيه، ولا ينسى أن يلعن في الخفاء من وضعه على النار.
في هذا الطقس تقدم (إسرائيل) نفسها للعرب على أنها جارة، وأنها أهل للثقة، والحقيقة أنها ما كانت يوما جارة، ولن تكون، وأول الوفاء عندها الغدر والتجسس. لذا نريد طقسًا عربيًا حين يكون القدر على النار، وحين ينزل عن النار، وتكون لنا مغرفة عربية حين يغرف منه الغارفون، ولا نريد أكثر من ذلك، ولا نرضى بما هو أقل، كأن نبقى متفرجين، أو جسرا للغارفين.