عهدنا في قطاع غزة استغلال الاحتلال الصهيوني حاجاتنا الحياتية الأساسية أوراق ضغط, كما عهدنا الاستغلال السيئ لها في التنافس السياسي الداخلي, والخلافات بين الفرقاء الفلسطينيين, الأمر الذي غاب عنه الضمير والأخلاق والإنسانية، وعلى رأس هذه الأزمات انقطاع التيار الكهربائي عن المواطنين مددًا تراوح بين 12 و15 ساعة, وقد تزيد أو تنقص حسب الإمكانات, لكنها لا تبرح ملامح الأزمة المُعقدة.
أزمة تزويد القطاع بالكهرباء بدأت عندما أسست السلطة شركة توليد الكهرباء بديلًا نسبيًّا عن الكمية التي تأتي من قبل الاحتلال, واعتمد على تمويلها من الاتحاد الاوروبي من ضمن الرشى المالية المقدمة مقابل التنازل عن المواقف السياسية, وأُحيل هنا القارئ إلى الاطلاع على الاتفاقيات بين شركة التوليد والسلطة لنرى العجائب.
وتفاقمت الأزمة عندما أراد الاحتلال معاقبة القطاع على عملية أسر "شاليط " عندما قصف المحطة، وحرم القطاع مصدرًا أساسيًّا للكهرباء دون تعويض من خطوط الاحتلال, وبعد الحسم العسكري باتت الكهرباء أداة من أدوات الضغط تمارسها السلطة, ومن ذلك الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي على تحويل الدعم المخصص لوقود المحطة إلى وزارة المالية للتصرف به كما تشاء, هذا كان مصحوبًا بعدم القدرة على تحصيل فاتورة الاستهلاك من المواطنين؛ لأسباب عديدة، منها الفقر, ومنها غياب القانون, ومنها فقدان الثقة بالسلطة, فبات المال أحد عوائق الاستدراك. الحكومة في غزة سعت واجتهدت وتواصلت، ونجحت في إيجاد حلول مؤقتة وليست دائمة, وفي الوقت نفسه مرتبطة بموافقات وإرادات الأطراف كلها، ومنها مصر والاحتلال والسلطة، لذا وجدنا الأزمة تتأرجح بين التعقيد والتخفيف، حسب العلاقة مع هذه الأطراف.
ومع رغبتنا بوضع الحكومة في غزة حلًّا جذريًّا للكهرباء لا يمكن أن نغفل أن الحل موزع على كل الأطراف, فعلى سبيل المثال: نجحت الحكومة في توفير منحة وقود للمحطة قطرية مازال أكثر من خمسين بالمائة منها في ميناء بورسعيد لم يدخل, وتم التفاهم من قبل على رغبة الجزائر بتوفير الوقود، ولكن الأمر لم يتم لأن الأمر مرتبط بمصر والسلطة, وسمعنا عن قرار تركي للمساهمة في ذلك، لكن الأسباب نفسها حالت دون ذلك, وأخيرًا وافقت الحكومة على شراء الوقود من الاحتلال، وطالبت السلطة برفع الضريبة عنه ليكون بمقدورها الشراء, لكن السلطة مازالت رافضة, والأهم أن إدخال قطاع غزة في الربط الإقليمي تمت الموافقة عليه, والتمويل من البنك جاهز, لكنه يحتاج إلى قرار "الشرعية" من قبل السلطة.
بعد هذا الاستعراض السريع الذي لم يعد سرًّا على المواطن, نطالب الجميع بتحمل مسئولياته الإنسانية والقانونية, بدءًا من المواطن الذي لا يسدد الفاتورة مع المقدرة, ويستخدم الخطوط المزدوجة والمضرة بالشبكة, ومرورًا بالأحزاب والقوى والمؤسسات الدولية العاملة في القطاع والحكومة والسلطة, وليس انتهاء بجامعة الدول العربية ومنظمة العالم الإسلامي، والمؤسسات الدولية العالمية.
إن استمرار انقطاع التيار الكهربائي عار على كل جهة قادرة على الحل وتتقاعس وتتآمر، ونقول مجددًا: إن ظن هؤلاء أن الأزمات ستخلق انفجارًا داخليًّا في غزة؛ فعليهم مراجعة قراءتهم؛ لأنها خاطئة ومراهقة وطائشة, بل سيكون الانفجار نحو كل من يحاصر ويتآمر على صمود الشعب الفلسطيني في غزة وفي كل مكان.