التقاء المصالح ضد الثورة والربيع العربي

نشر 04 نوفمبر 2013 | 03:44

1- مدخل.

ضمن حديثنا عن الثورة على الثورة، كما كتبت من قبل في هذه الزاوية منذ شهور عديدة، وها هي الكتابة تتواصل لتواصل المؤامرة، أقول ضمن الحديث عن الثورة المضادة والثورة على الثورة كتبت الحلقة الماضية بعنوان: «هل انتهت ثورات الربيع العربي؟» وهذه حلقة أخرى، ستعقبها بإذن الله حلقات..

 

2- التقاء المصالح ضد الثورة والربيع العربي.

مثل قصة أجاتا كريستي: «جريمة في قطار الشرق السريع»، حيث التقت مصلحة كل من في المقطورة التي وقعت فيها الجريمة على قتل الضحية، التقت مصالح أطراف عديدة محلية وإقليمية ودولية، عربية وغير عربية، أطراف تدعي الإسلام وأطراف لا تدعيه، كلها التقت عند ملتقى واحد وهدف واحد، جمعها، فحشدت قواها للإحاطة بثورات التغيير في العالم العربي.

وأول هذه الأطراف من حيث الفاعلية والقدرة والتأثير وقوة المصلحة هو إسرائيل بطبيعة الحال.

 

وقد أعلنت إسرائيل منذ الأيام الأولى لانقلاب السيسي، على سبيل المثال، أنها كانت على علم به قبل وقوعه بثلاثة أيام. وقد يقال –بمنطق الإعلام المصري- إن هذا يراد منه تشويه ثورة 30 يونية و3 يوليو كما يسمونها، وما هي بثورة، إن هي إلا انقلاب مأجور عميل، رعته ودبرته إسرائيل. فلماذا لا يكون، كما زعموا، في إعلام العار في مصر، لتشويه ما سمي ثورة، وخدمة للمنقلب عليهم كما قالت جمهرة وسائل الإعلام هناك -أعني في مصر-، فقد عنونت وسائلهم: صفعة لــ»السي آي أيه» وللموساد! أي أن انقلاب السيسي أو ثورته ضد الثورة الشعبية الحقيقية كانت مفاجأة صعقت وصفعت أجهزة الاستخبارات العالمية الأقوى، موساد و»سي آي أيه».

وتفنيد دعاوى الإعلام المصري ميسورة سهلة.

 

فأولاً أطاحت الثورة بأخطر وأكبر عملاء إسرائيل في المنطقة حسني مبارك، ولا يمكن أن تغفر إسرائيل لمن أفقدها أهم عملائها وهي مقتدرة ويدها طائلة.

 

قرأت في «السبيل» عدد السبت في مقال لتحسين أبو عاصي ينقل عن الجنرال عاموس جلعاد رئيس الدائرة في وزارة الحرب الصهيونية، ومسؤول ملف العلاقات مع مصر في مقابلة مع صحيفة هآرتس يعتبر أن وقع خلع مبارك على إسرائيل ومصالحها يشبه ضربها بقنبلة نووية.أ.هـ.

 

وذكرنا مراراً كلمة أحد مدراء مخابراتهم عندما سئل ماذا لو فقدنا مبارك في مصر؟ فقال عندنا بديل عمر سليمان وجمال مبارك. فسأل سائل: وماذا لو فقدنا عمر سليمان وجمال مبارك؟ فأجاب: يدنا طائلة في الأمن والجيش والمخابرات والإعلام والقضاء.. فاطمئنوا!

 

وأمر آخر: كيف تقبل إسرائيل الإسلام الحقيقي أن يحكم مجتمعاً عربياً ومصر بالذات؟

 

وأمر آخر وآخر: إن الجيش قد بني على عين المؤسسات الأمريكية وهي وإسرائيل شيء واحد أو هي إسرائيل. وقد قال: «إدوارد جيرجيان» كما قال عشرات غيره: إن المؤسسة الوحيدة المستقرة في مصر والتي يمكن أن تحكم وينقاد لها الناس هي المؤسسة العسكرية. ونسأل: ما الذي جعل باقي المؤسسات غير مستقرة؟ ولماذا الجيش بالذات؟ وهل نسيتم أن الجيش في كل البلدان العربية والإسلامية، وتركيا نموذجاً هو الحارس الأمين للعلمانية المحاربة للدين؟

 

وفي الوقت الذي لم تحقق الجيوش منذ أكتوبر 73 حتى الآن أي إنجاز فإن المقاومات الشعبية استطاعت فلّ حد إسرائيل وكسر شوكتها، فهي إذاً ترتاح للتعامل مع الجيوش ولا ترتاح للديموقراطيات والانتخابات التي لا تأتي إلا بالمسلمين كما قال «آمنون شيمش» في «يديعوت أحرنوت» قبل يومين من كتابة هذا المقال.

 

ومن الذي سوّق الانقلاب العسكري وضغط على أمريكا وأوروبا ألا تسميه انقلاباً بل ثورة؟

الشواهد كثيرة والأدلة على أن إسرائيل هي المستفيد الأول من إقصاء الإسلام عن الحكم لأنها تعلم أنه لن يزيل وجودها إلا هو، كما لم يزل الصليبيين من فلسطين إلا قيادة «صلاح الدين» على الإسلام الحق والصراط المستقيم!

 

وأما المستفيد الثاني فالمعسكر الغربي بعامة أعني أوروبا وأمريكا. فهم متماهون مع إسرائيل. وإسرائيل هي بوصلتهم وأداة استشعارهم وما أهمها أهمهم، وما أفرحها أفرحهم. وهم في النهاية أمها ورعاتها وممولوها والمدافعون عنها إن جد العرب. ولا نفصل فيكفي أن نذكر موقف «آشتون» مفوضة الشؤون الخارجية الأوربية وزيارتها الأولى لمصر وموقفها من الانقلاب ثم عادت مسوقة له مروجة تفاوض بعض القيادات الإسلامية نيابة عن الانقلابيين.

 

والمستفيد الثالث كل الأنظمة العربية بما فيها نظام سلطة منظمة تحرير (..) ما لا أدري.

وقد رأيت هذه السطور التالية في كتاب العلامة الموسوعي حسن الكرمي: «قول على قول» تعليقاً على بيت شعر سئل عنه:

لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان

فقال في المجلد السابع: «هذا البيت مشهور، وهو مطلع قصيدة للشاعر الأندلسي صالح بن شريف الرندي نسبة إلى روندة إحدى مدن الأندلس في عهد العرب هناك، والقصيدة في رثاء الأندلس على إثر تغلب الإسبان عليها جزءاً جزءاً، بسبب تناكر ملوك الطوائف بعضهم لبعض، ومسالمتهم العدو، محافظة منهم على ملكهم، لو أن هذا الملك كان يمكن المحافظة عليه. وفي القصيدة يبكي الرندي على مدن الأندلس التي سقطت في أيدي العدو، فيقول:

فاسأل بلنسية ما شأن مرسية وأين شاطبة أم أين جيّان

وأين قرطبة دار العلوم، فكم من عالم قد سما فيها له شأن

وأين حمص وما تحويه من نزه ونهرها العذب فياض وملآن

وحمص هي إشبيلية.

 

وكثير من شعراء الأندلس من رثى سقوط المدن في أيدي الإسبان. ثم ذكر قصيدة ابن خفاجة وأذكر آخر بيتين فيها لتشابه الحال مع ما تتكلم عنه من ضِلة أنظمة العرب وتعاونهم مع عدوهم، وتهاونهم في حق أخوّتهم، قال:

كذاك إلى أن صاح بالقوم صائح وأنذر بالبين المشتت منذر

وفرّقهم أيدي سبا وأصابهم على غرة منهم قضاء مقدر.

 

نعود من هذه الرحلة الأندلسية إلى واقع كئيب مكفهر لا يختلف فيه الحال عن الملوك ولا الزعامات عن ملوك الطوائف ولا المصير عن المصير، أما فقدنا العراق وتمزق؟ أما ينذر تسلط العسكر على مصر بمصير أسود؟ أما تآمرنا على أنفسنا مع كل غازٍ؟

ولا أدري كيف تتماهى مصلحة العرب مع إسرائيل ولا كيف تلتقي وهل هي مصلحة البلدان أم بعض بني فهمان من العربان؟ وإن تكن مصلحة الشعوب قد طارت بها الغربان؟ والجواب واضح لا يحتاج إلى كد أذهان. إن المصلحة مصلحة المستعمر ووكلائه الذين بقاؤهم بقاؤه وبقاؤه بقاؤهم..

 

أما مصلحة الشعوب فيستحيل أن تلتقي مع مصلحة إسرائيل. وكم كان بشار جذلان فرحاً مغتبطاً مستبشراً سعيداً طرباً يستخفه الطرب لما أصاب المسلمين في مصر من تنكيل، وما لحق هذا من تنسيق بين عسكر سيسي ونظام بشار التعيس..

وعلى قدر ما حرص بنو صهيون على كتمان مشاعرهم وكشف حقيقة موقفهم إلا أن فرحتهم فاقت قدرتهم على الكتم والتستر والتخفي. قد بدت الفرحة في عيونهم وعلى وجوههم وشفاههم القذرة وما تخفي صدورهم وقلوبهم من الفرحة أكبر..

 

والعجب الأكبر أن عرباننا «يتابعون بفرح واهتمام ما يجري في مصر» كما هي بيانات المتمولين من أصحاب البترودولار من بقايا الاستعمار وصنائعه بين أظهرنا وفي الديار!

 

فكيف يا مدعي العروبة والإسلام تتبنون ذات الأشخاص الذين تعتبر إسرائيل غيابهم عن السدة السياسية أخطر من ضرب إسرائيل بقنبلة نووية؟ أين الخلل؟ أفيكم أم في إسرائيل؟ أم فينا نحن من نعاتبكم؟ أين الخطأ؟

إن وجود مرسي واستمراره كان سيرفع مصر ويعظم موقعها ودورها الإقليمي ويحجم إسرائيل.. وهذا أغاظ كثيرين وحرك عش الدبابير.

ومستفيد كبير مما يجري من إجهاض ثورات الربيع العربي، هذا المستفيد هو إيران. لقد غدت قوة إقليمية أولى في المنطقة سبقت تركيا، وتركت وراءها دولاً كثيرة وتقدمتها بفاعلية دبلوماسيتها. وقد انكشفت تماماً في قضية الثورة السورية.. وكانت تكشفت كثير من أوراقها في العراق بتدمير مقوماته ومقدراته واغتيال علمائه، والتنسيق مع الشيطان الأكبر في كل ذلك.

 

فما الذي جمع ما يبدو أنه من المتناقضات، ولو دققنا وحققنا لعلمنا أن هذه الدول ليست متناقضة وأعني أمريكا وإسرائيل وإيران والرجعية العربية أو قوى الثورة المضادة ومنها اليسار الذي كان ينعت غيره بالرجعية وإذ به الآن هو قمة الرجعية، وعدو الديموقراطية لأنها أتت بمن لا يريدون أن يروهم في اللعبة السياسية. فهي حكر عليهم وعلى العلمانيين والليبراليين يقتسمونها ويتبادلون الأدوار فيها..

 

وحديث الثورة والثورة المضادة مستمر.