أنا في الصندوق

نشر 28 أكتوبر 2013 | 03:21

مررت بمنطقة في عمان لم أدخلها أكثر من مرتين في سني السبعة والثلاثين، فلفت نظري صندوق صحيفة السبيل على أحد البيوت وشرد فكري الى البيت وأهله وبيوت أخرى وأناس آخرين وأماكن ومناطق لم أزرها ولكني أدخل عليهم مرتين أسبوعيا على الأقل، فهل يكون حظي وحظ زملائي لا يزيد عن الاستخدام البيتي المعروف للجرائد الورقية كممسحة للنوافذ، فمن المعروف أن الجرائد من أفضل ما ينظف به الزجاج، أو مفرش لسفرة الطعام حتى لا تتسخ المائدة، أو تغليف لأغراض البيت حتى لا تتغبر أو تنكسر؟!

 

أدخل مرتين على بعض البيوت بأفراحهم وأحزانهم بهمومهم وطموحاتهم ولأن الكتابة عندي إلهام إنساني بالدرجة الأولى فكثيرا ما يؤرقني نوع الإضافة التي أقدمها، فالكتابة تأخذ من وقتي وفكري وأعصابي الكثير في محاولة لطرح فكرة وأداء رسالة وأكثر ما يرضيني أن يصلني دعاء بالخير أو ملاحظة تصحيح أو نقد بناء فهذا دلالة على اهتمام القارئ وتفاعله وحرصه على فكر وقلم كاتب أعطاه عشرة دقائق من وقته بل من حياته ليقرأ له، بل كان من أجمل الجزاء الدنيوي أن أسمع من بعض القراء أن المقال الفلاني أثر وغير فيهم وكانت بعض المقالات كمقال «الى كل هؤلاء الأزواج تحية» تطوف العالم الالكتروني العربي من أقصاه الى أقصاه ومرات كثيرة دون اسمي، وكان يكفيني أن تصل الفكرة وتؤثر في الناس وهذا كان الدافع للاستمرار بالكتابة في كل الظروف، في الانشغال والفراغ، والحضر والسفر وكأني أحرص على لقاء من يقرأ لي حرصي على لقاء الأهل والأحبة فلا أخلف موعدي معهم حتى وإن تأخروا علي، بل تصبح بعض قصصهم ومشاكلهم مادة للكتابة لما فيها من ثراء وعبرة، ويتوسع عالم المقال المحدود ليصبح علاقات انسانية وصداقات متينة أو اختلاف مع احترام أو متابعة مع اتهام ولا ينتهي المقال بنقطة في آخر السطر.

 

اليوم تصبح حصيلتي 745 مقالا كان لــ»السبيل» فضل كبير علي فيها بكل ما تمثله عملية كتابة المقال من ضرورة المتابعة الحثيثة للأخبار والملاحظة الدقيقة للتطورات الاجتماعية والمشاركة الفعالة في الأحداث والقراءة الدائمة لتقديم الجديد والمفيد ما بين عالمين وحضارتين أتيح لي الإطلاع عليهما بحكم الدراسة.

 

اليوم تصبح حصيلتي 745 مقالا وكم أثقلتني بعض مقالاتي في حياتي وكانت نفسا لوامة مكان نفسي ومسطرة حساب وواعظا لي من كلامي فالتنظير شيء سهل ولكن التطبيق هو التحدي وهو مختبر الصدق، فكنت لما أكتب عن الاصلاح وضرورة المشاركة الفعالة في نشاطاته يداهمني المرض أو الانشغال فيرجع الجرس ليدق: ألم تكتبي كذا؟ ألم تقولي كذا؟ وتعود تلك الآية العظيمة لتذكرني «يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون».

 

أثقلتني الكتابة فالكلمة أمانة لدرجة أني دعوت الله في الحرم أن يعنني عليها وكان من الأدعية التي أكرمني الله بتحقيقها، ففي بعض الأسابيع كانت الأفكار تنفد ثم أجدها تواجهني في ظلامة امرأة أو صرخة طفل أو تراجع اجتماعي أو استغاثة ملهوف أو طرفة أو قصة نجاح تستحق الاحتفاء بها وكم هي مجتمعاتنا غنية بالفشل والانجاز والظلم والعدل، فالبشر صنعة الله وهم بذلك كتاب لا تنتهي سطوره ومتحف لا تنقضي عجائبه!

 

كانت الكتابة تحديا لترسيخ صوت ومساحة ورؤية نسائية في مجتمع ذكوري على العموم ووسط إسلامي ليس أحسن حالا، فهو ما زال يتعامل مع المرأة بحمولة بالية من العادات والتقاليد البعيدة عن روح الدين ومقابل فتح الباب على مصراعيه للرجال تجده يفسح افساحا على استحياء للنساء مع أن الراشد مفكر الدعوة الاسلامية أكد في كتابه المسار أن المرأة شريك ورديف أساسي في المشروع الاسلامي في جوانب كثيرة أظهرها «المشاركة الصحفية والأدبية والبحث الفقهي والتاريخي، بل في كافة العلوم وأعمال المراسلة والإحصاء ورعاية عوائل السجناء وعموم الحاجات أيام المحن.. ولا يجوز أن تحجبنا الأعراف الزائدة عن مقدار الواجب الشرعي عن مباحات من مجالات المساهمة النسائية في الخطط العامة أو إظهار أسمائهن الصريحة في المجتمع أدبيات وصحفيات ومؤرخات ومحصيات ومحللات للتطورات السياسية طالما أنهن يتحجبن» ولكم أسعد شخصيا كلما زادت أسماء الإناث على صفحات السبيل من صحفيات وكاتبات فهذا التكامل في الرؤى والأفكار هو ما يجب أن تسعى اليه كل المؤسسات التي تأمل أن تساهم في نهضة المجتمع.

 

بعد 745 مقالا أقول شكرا لكل من أضاف إلي بالنقد البناء المحترم قبل الثناء فذلك الحرص المحمود، ولكم تفضل علي أساتذة كبارا وعلماء أفاضل بأبوة غامرة بالنصيحة والتعليم، وشكرا لمن استقل بي ككاتبة فذاك أيضا أعطاني حافزا للتحدي والتقدم، وشكرا لكل دعاء بظهر الغيب، وشكرا لمن يفسحون لنا ككتاب أن نشاركهم بيوتهم وحياتهم عسى ألا نكون ضيوفا ثقيلي الظل وأن تصل الفكرة حتى لو أصبحت الجريدة ممسحة للنوافذ أو مفرشا للسفرة وإن كان إكرام العربية واجبا لأنها لغة القرآن العظيم، وسأظل بإذن الله ما وسعني العمر في الصندوق وعلى صفحة الجريدة وعلى الصفحة الالكترونية بانتظار الدخول الى قلوبكم وعقولكم فأفضل الناس من مكنك من قلبه لتزرع فيه خيرا فإن أدركت ذلك فذاك جل المنى ومبلغ الأرب.

 

بعد 745 مقالا أحمد الله حمدا يوافي نعمه ويغفر زللي وأقدم التحية لكل من ألهمني، وللكبار الأربعة في حياتي: والدي الدكتور طارق طهبوب، والدتي الدكتورة نادية عثمان، وروح الشهيد طارق أيوب رحمه الله، وعنوان حياتي ابنتي فاطمة طارق أيوب.