«المفتاح البيولوجي» في نظام الجينات

نشر 28 أكتوبر 2013 | 03:15

كتب رائد جراحة الأوعية الدموية (الكسيس كاريل) قبل نصف قرن في كتابه (الإنسان ذلك المجهول MAN THE UNKNOWEيصف غرابة الإنسان: (كل واحد منا مكون من موكب من الأشباح تسير في وسطها حقيقة مجهولة) وأولئك الذين درسوا الإنسان (ضلوا طريقهم في قلب دغل سحري لا تكف أشجاره عن تغيير أماكنها وأحجامها).

 

وبالمقابل تحدث البروفسور (والتر جيلبرت) من جامعة (هارفارد) عن مشروع (الجينوم البشري) فوصفه بمشروع القرن فقال:

سوف يقع في أيدينا ما لا يحصى من الفوائد، سوف يشق العلماء الطريق إلى الحجر المقدس وكنز البيولوجيا الغارق في بحر لجي، سوف نضع أيدينا على الكأس المقدسة فنتجرع منها دهاقاً في أدوية شافية بغير نفاد.

 

ما نعرف عن الأمراض الوراثية يزيد عن 800 سوف نتخلص منها بالإضافة إلى الاستعداد لأمراض شتى من احتشاء القلب والسكري، سوف نقهر السرطان وأمراض الاستقلاب والإيدز ونزيد في عمر البشر قروناً، هكذا زعم الرجل؟

إلا أن ثلاث مفاجآت لم تكن بحساب العلماء وفاتت (جيلبرت) فبعد كشف كامل الخارطة الوراثية ظهر أمامهم جبل من المعلومات يحتاج إلى الترتيب في شبكة مخيفة من الكلمات المتقاطعة والألغاز المستعصية، يكفي أن نعرف أن تنظيم الضغط الدموي في العروق لوحده يتشابك فيه ما لايقل عن 200 جين.

 

وأن كل فتح معرفي يقود إلى غموض أشد باتساع زاوية المعرفة، والأمر الثالث أن هكسلي وفرويد راهنا على فك مغاليق النفس مع انطلاق علم (الفسيولوجيا) فتبين أن آخر ما يتوقع الإنسان لمعرفة النفس هو علم الغرائز وانهارت المدرسة البيولوجية، كما تداعت بعدها مدرسة تحليل النفس السلوكي.

 

ولكن كيف تطورت هذه الرحلة المثيرة؟ كانت المفاجأة الأولى في ظاهرة (الطفرة) ففي عام 1901 م وعام 1926 م و1947 م و 1961 م على التوالي أصيب الهولندي (هوجو دي فريس) بالذهول من ظاهرة تغيّر الصفات؛ فكان أول من أعطاها مصطلح (الطفرة MUTATION) ليثبت لاحقاً (هيرمان موللر) أنها تحدث بتعريض الخلايا للأشعة السينية، ثم لتتقدم (باربرا مك كلينتوك) بدراستها على نبات الذرة، أن المواد الوراثية ليست قطعاً جامدة في مكانها مثل حبات اللؤلؤ على جيد حسناء؛ بل تقفز برشاقة من حين لآخر مغيرة موضعها، ومعها قدر الكائن بنقله طوراً بعد طور، يزيد الربّ في الخلق ما يشاء، وكانت فكرة ثورية للغاية لا تقل عن فكرة (جريجوري ماندل) بقوانينه الثلاثة، وأبحاث (مورجان) على ذبابة الفواكه، لينال في النهاية كلّ من (جاك مونود) و(فرانسوا جاكوب) جائزة نوبل على كيفية عمل الجينات، عندما وصفوا (المفتاح البيولوجي) في نظام الجينات، وكان كشفاً لا يقل عن اكتشاف اللولب المزدوج على يد الثنائي (واتسون ـ كريك).